الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

258

انوار الأصول

بالكثير وهو ليس بمستهجن . ومنها : ما ذكره الشيخ رحمه الله أيضاً من كونه تخصيصاً بعنوان واحد لا بعناوين . ومنها : ما اخترناه من أنّه تخصيص في بادئ النظر فقط ، لأنّا نعلم بعد الدقّة والتأمّل عدم كون تلك الأحكام ضرريّة عند العرف والعقلاء . توضيح ذلك : أنّ للإنسان حياتين : حياة فردية وحياة اجتماعيّة ، ولكلّ من الحياتين مصارف خاصّة ، فبالنسبة إلى حياته الفردية يحتاج إلى أغذية وألبسة وماء وهواء وغير ذلك من أشباهها ، وأمّا بالنسبة إلى حياته الاجتماعيّة فيحتاج إلى أمن السبل ونظام المجتمع ودفع الأعداء وفصل القضاء واحقاق الحقوق وأمثال ذلك ، فكما أنّ ما يصرفه في طريق حياته الفردية من الأموال لا تعدّ ضرراً عند أحد ولا يتفوّه به واحد من العقلاء ، فكذلك المصارف التي يتحمّلها لحفظ حياته الاجتماعيّة وصيانتها عن الحوادث ، فالنفقات التي يصرف لتقوية الجيوش وأمن السبل وإجراء الحقوق وحفظ منصب القضاء والتعليم والتربية لأبناء المجتمع لا تعدّ ضررية قطعاً ، كيف وتعود منافعها إليه وقتاً بعد وقت وتؤتي اكلها كلّ حين بإذن ربّها ، وما عدّوه من الأحكام الضررية تعود في الغالب إلى أمثال هذه النفقات أو أشباهها من تدارك الخسارات وغيرها ممّا يعلم وجهها . وليت شعري كيف تعدّ هذه الأحكام ضرريّة مع أنّ أمثالها موجودة بين العقلاء من أهل العرف ، وتكون ضروريّة عندهم فيجعلونها من الواجبات على عاتقهم ويعدّونها ممّا لا تقوم معيشتهم إلّا بها . أضف إلى ذلك عدم ورود هذا الإشكال من الأساس على مختارنا في معنى الحديث من أنّه بحسب الحقيقة نهى عن إضرار الناس بعضهم ببعض ، ولا ينفي وجود أحكام ضررية في الشريعة حتّى يتوهّم تخصيصها بما يتراءى كونه ضررياً ، كما لا يخفى . التنبيه الثالث : في ما هو المعروف من الإشكال في خصوص قضية سمرة وهو منافاة حكم النبي صلى الله عليه وآله بقلع الشجرة لسائر القواعد ، لأنّ أقصى ما يستفاد من قاعدة « لا ضرر » هو لزوم استئذان سمرة من الأنصاري ، وأمّا قلعها ورميها إليه فهو ينافي حقّ سمرة