الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

246

انوار الأصول

إن قلت : فكيف أفتى الفقهاء بعدم صحّة العبادات الضرريّة مثل الصوم والوضوء الضرريّين ؟ قلنا : إنّ قدماء الأصحاب بل وكثير من متأخّريهم استندوا فيها بقاعدة لا حرج ، ولم يستندوا إلى قاعدة لا ضرر ، مع استدلالهم بها في أبواب المعاملات مثل خيار الغبن وغيره ممّا يرجع إلى اضرار الناس بعضهم ببعض ، فهذا هو شيخ الطائفة في كتاب الطهارة من الخلاف « 1 » ، والمحقّق رحمه الله في المعتبر « 2 » والعلّامة رحمه الله في التذكرة وصاحب المدارك في المدارك كلّهم استندوا في مسألة الوضوء الضرري بقوله تعالى : « وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ » ولم نر استنادهم إلى قاعدة لا ضرر في هذه المسألة وفي غيرها من أبواب العبادات الضرريّة وغيرها من التكاليف التي تكون من حقوق اللَّه ، ولا ترجع إلى معاملة الناس بعضهم ببعض ، وكذلك غيرهم من الفقهاء الأعلام رضوان اللَّه عليهم فيما حضرنا من كلماتهم ، ( وأظن أنّ الاستناد بهذه القاعدة في هذه الأبواب نشأ بين المتأخّرين أو متأخّري المتأخّرين من الأصحاب ) وهذا بنفسه من المؤيّدات على مقالتنا ، وذلك لصرافة أذهانهم واستقامة أنظارهم في فهم المفاهيم العرفيّة من الكتاب والسنّة . هذا ولو تنزّلنا وحكمنا بإجمال القاعدة من هذه الجهة فلا بدّ أيضاً من الأخذ بالقدر المتيقّن وهو جريانها في أبواب المعاملات وفيما ترجع إلى اضرار الناس بعضهم ببعض فقط ، فتبقى الإطلاقات الواردة في غيرها سليمة عن المعارض والحاكم . هذا كلّه هو بيان المختار في معنى الحديث . نقد سائر الأقوال : أمّا الأوّل والثاني : وهما أنّ القاعدة نافية للأحكام الضرريّة إمّا مجازاً بلسان نفي الحكم

--> ( 1 ) المسألة 110 : الجبار والجراح والدماميل وغير ذلك إذا أمكن نزع ما عليها وغسل الموضع وجب ذلك ، فإن لم يتمكّن من ذلك بأن يخاف التلف أو الزيادة في العلّة ، مسح عليها وتمّم وضوئه وصلّى ، ولا إعادة عليه . . . دليلنا قوله تعالى : « وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ » . ( 2 ) راجع ما ذكرنا من عباراتهم في كتابنا القواعد الفقهيّة : ج 1 ، ص 64 .