الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
241
انوار الأصول
الحديث النهي عن اضرار الناس بعضهم ببعض ، نظير قوله تعالى : « فَلا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ » الذي ينهى عن الرفث والفسوق والجدال في الحجّ ، وقول السامري : « لَا مِسَاسَ » أي « لا تمسّني » ونتيجة هذا القول أيضاً سقوط القاعدة عن حكومتها على سائر الأحكام وتنزّلها إلى مجرّد نهي تكليفي عن اضرار الناس بعضهم ببعض ، كما أنّ قوله تعالى : « وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً » ينهى عن الغيبة فحسب ، فيخرج حينئذٍ عن نطاق القواعد الفقهيّة إلى حكم فرعي خاصّ . وأمّا القول الخامس ، ( وهو ما ذهب إليه في تهذيب الأصول ) فهو أن تكون « لا » ناهية أيضاً لكن بأن يكون النهي نهياً سلطانياً صدر عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بما هو سائس الملّة وسلطانها ، وقال في توضيح مرامه ما حاصله « 1 » : أنّ للنبي الأكرم مقامات ثلاثة : الأوّل : مقام الإفتاء وبيان الأحكام الشرعيّة ، الثاني : منصب القضاء وفصل الخصومة ، الثالث : مقام السلطنة الإلهيّة ( وما يسمّى اليوم بولاية الفقيه ، وهو مقام إجراء « 2 » الأحكام الإلهيّة التي ترتبط بالحكومة ، والأحكام الحكوميّة السلطانيّة ) وقاعدة لا ضرر داخلة في القسم الثالث فهي مجرّد حكم سلطاني صدر من الرسول صلى الله عليه وآله في قضيّة سمرة تحديداً لقاعدة السلطنة عن الأموال « 3 » .
--> ( 1 ) راجع تهذيب الأصول : ج 3 ، ص 112 . ( 2 ) كما صرّح به في كتاب البيع ( ج 2 ، ص 461 ) وإليك نصّ كلامه بالحرف : « فالإسلام أسّس حكومة لا على نهج الاستبداد المحكّم فيه رأي الفرد . . . بل حكومة تستوحي وتستمدّ في جميع مجالاتها من القانون الإلهي ، وليس لأحد من الولاة الاستبداد برأيه ، بل جميع ما يجري في الحكومة وشؤونها ولوازمها لا بدّ وأن يكون على طبق القانون الإلهي حتّى الإطاعة لولاة الأمر ، نعم للوالي أن يعمل في الموضوعات على طبق الصلاح للمسلمين . . . ونفس بقاء تلك الأحكام ( الأحكام المتعلّقة بالماليات أو السياسيات أو الحقوق ) يقضي بضرورة حكومة وولاية تضمن حفظ سيادة القانون الإلهي وتتكفّل لإجرائه ، ولا يمكن إجراء أحكام اللَّه إلّا بها ، لئلّا يلزم الهرج والمرج ، مع أنّ حفظ النظام من الواجبات الأكيدة واختلال أمور المسلمين من الأمور المبغوضة ، ولا يقوم ذا ولا يسدّ عن هذا إلّا بوالٍ وحكومة . مضافاً إلى أنّ حفظ ثغور المسلمين عن التهاجم وبلادهم عن غلبة المعتدين واجب عقلًا وشرعاً ، ولا يمكن ذلك إلّا بتشكيل الحكومة ، وكلّ ذلك من أوضح ما يحتاج إليه المسلمون . . . » فتلاحظ أنّ وظيفة الفقيه الحاكم إجراء الأحكام الإلهيّة ( التي منها حفظ النظام وحفظ ثغور المسلمين ) وتشخيص موضوعات الأحكام وتعيين حدودها ، فتدبّر جيّداً ، واطلب تفصيل الكلام من محلّه وهو دراساتنا في البيع ( كتاب أنوار الفقاهة ، ج 1 ) . ( 3 ) راجع تهذيب الأصول : ج 2 ، ص 481 - 482 ، طبع جماعة المدرّسين .