الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
213
انوار الأصول
أنّ إباحة الجلد والوبر في مثال الحيوان المشكوك الحلّية هي من آثار عدم الحرمة في الواقع ، ففي هذه الصورة أيضاً لا تجري أصالة الإباحة لأنّها تثبت الإباحة الظاهرية لا الواقعية . فظهر أنّ كلام الفاضل التوني رحمه الله بالنسبة إلى هذا الشرط تام إذا كان مراده منه الصورتين الأخيرتين ، نعم إنّه لا يختصّ بأصالة البراءة ، بل هو جارٍ في سائر الأصول العمليّة حتّى الاستصحاب ، فإنّها لا تجري في ما إذا كانت مثبتة ، وفيما إذا كان الأثر الشرعي مترتّباً على الحكم الواقعي . أمّا الشرط الثاني : فهو أيضاً لا اختصاص له بأصالة البراءة فكلّ أصل عملي لا يجري إذا أوجب الضرر ، هذا مضافاً إلى أنّه لا يختصّ بقاعدة لا ضرر بل يعمّ سائر الأدلّة الاجتهاديّة فإنّها مقدّمة على الأصول العمليّة . وإن شئت قلت : لا ينبغي عدّ هذا الشرط من شرائط جريان الأصول ، إذ مع وجود الأدلّة الاجتهاديّة ينتفي موضوع الأصول العمليّة وهو الشكّ ، ولا مجال حينئذٍ للرجوع إلى الأصل . وأمّا الأمثلة المذكورة في كلام الفاضل التوني رحمه الله فهي أجنبية عمّا نحن فيه ، لأنّ المرجع فيها قاعدة الإتلاف والضمان ، لإطلاق قوله عليه السلام : « من أتلف مال الغير فهو له ضامن » فيشمل الإتلاف المباشري والتسبيبي ، لصدق الإتلاف عليهما عرفاً ، وما نحن فيه من قبيل الثاني . الكلام في قاعدة لا ضرر قد عنون كثير من الأعاظم تبعاً للشيخ الأعظم والمحقّق الخراساني صلى الله عليه وسلم بمناسبة كلام الفاضل التوني رحمه الله قاعدة لا ضرر ، حيث عقدوها للبحث بعنوان أنّها قاعدة فقهيّة ، كما أنّ جماعة منهم كتبوا لها رسائل مستقلّة ، ونحن نتعرّض لها هنا أيضاً اقتفاءً لآثارهم . ولكن قبل الورود في البحث عن أصل القاعدة تنبغي الإشارة إلى أمرين : الأوّل : أنّ القواعد الفقهيّة مع كثرتها وأهميّتها لها مصير مؤسف ، فقد تعنونت عدّة منها في الكتب الاصوليّة للمتأخّرين كقاعدة لا ضرر وقاعدة الفراغ والتجاوز ، والقرعة ، والميسور ، وعدّة أخرى في الكتب الفقهيّة كقاعدة ما لا يضمن وقاعدة اللزوم في أبواب المعاملات ، ولكن قسم عظيم منها لم يُبحث عنها لا في الفقه ولا في الأصول مع كثرة استدلالهم بها وشدّة