الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

197

انوار الأصول

والذي يمكن أن يقال بعد ملاحظة مجموع الأدلّة أنّه يكفي الفحص عن المخصّصات وشبهها عن مظانّها ( ولو انحلّ العلم الإجمالي ) كما أشرنا إليه سابقاً ، بل هذا هو المعمول بين العقلاء من أهل العرف بالنسبة إلى قوانينهم ، ومما يوجب سهولة الأمر في ذلك أنّ علماءنا المتقدّمين رضوان اللَّه عليهم بذلوا جهدهم في سبيل التحقيق عن الأحاديث الفقهيّة وتبويبها ووضع الجوامع لها ، كما أنّ الفقهاء الذين جاءوا بعد المحدّثين بذلوا الجهد في الفحص عن الأحاديث المرتبطة بكلّ مسألة فقهيّة ، وأودعوها في كتبهم الاستدلاليّة ، ولذا يمكن الفحص بالمقدار اللازم للفقيه في عصرنا هذا مع بذل جهد قليل ، فشكر اللَّه سعيهم وأجزل ثوابهم ، وجزاهم عنّا وعن الإسلام خير الجزاء . هذا تمام الكلام في شرائط جريان أصالة البراءة . ومنه يظهر الحال في شرائط جريان أصالة التخيير وأصالة الاستصحاب . أمّا أصالة التخيير فيأتي فيها اعتبار وجوب الفحص الذي هو العمدة من الشرائط لأنّ جميع الوجوه الخمسة المذكورة في أصالة البراءة جارية هنا أيضاً ، أمّا الإجماع وضرورة الفقه فلا شبهة في قيامهما على وجوب الفحص عن وجود دليل على الترجيح في دوران الأمر بين الوجوب والحرمة ، وكذلك آية السؤال والنفر ، لشمولهما موارد الدوران بين المحذورين في الشبهات الحكميّة أيضاً ، وهكذا الروايات ( وقوله عليه السلام : هلّا تعلّمت وشبهه ) والعلم الإجمالي بوجود واجبات ومحرّمات قبل الفحص ، وكذلك حكم العقل لأنّ العقل يحكم بالتخيير للمكلّف المتحيّر ، والتحيّر المستقرّ إنّما يحصل بعد الفحص وعدم الظفر بالدليل . وأمّا أصالة الاستصحاب فلأنّ قوله عليه السلام ، لا تنقض اليقين بالشكّ ( بناءً على شموله للشبهات الحكميّة أيضاً ) منصرف إلى ما بعد الفحص كما لا يخفى . إلى هنا تمّ البحث عن المورد الأوّل ، أي اعتبار الفحص في الشبهات الحكميّة . الفحص في الشبهات الموضوعيّة : أمّا المورد الثاني ( أي شرائط إجراء سائر الأصول بالنسبة إلى الشبهة الموضوعيّة ) فالمشهور في كلماتهم عدم الفحص مطلقاً سواء كانت الشبهة وجوبيّة أو تحريميّة ، وسواء في البراءة العقليّة أو البراءة النقليّة ، بل الشيخ الأعظم الأنصاري رحمه الله صرّح بأنّه ممّا لا خلاف فيه