الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

176

انوار الأصول

مفعولًا لقوله « فأتوا » ولا يمكن أن تكون مصدريّة زمانيّة كما لا يخفى ، وحيث إنّ نسخ الحديث مختلفة فيصير مجملًا لا يمكن الاستدلال به . هذا مضافاً إلى أنّ التمسّك بهذا الحديث لإثبات مطلوبيّة الباقي يستبطن الدور المحال ، لأنّ كون الأجزاء الباقية مقدورة ومستطاعة للمكلّف شرعاً متوقّف على كونها واجدة للملاك ، وهذا في المركّبات الشرعيّة لا يحرز إلّا بتعلّق الأمر بالباقي وإحراز تعدّد المطلوب من قبل ، ولا أمر في البين إلّا نفس الأمر الوارد في هذا الحديث ، فكون الباقي مقدوراً متوقّف على تعلّق أمر به ، وتعلّق الأمر به أيضاً متوقّف على كونه مقدوراً من قبل ، وهذا دور محال ، ولا مناصّ عنه إلّا بإحراز تعدّد المطلوب من قبل ، وحينئذٍ يكون الحديث مؤكّداً لحكم العقل ، وليس فيه تعبّد شرعي . ثمّ إنّه لا إشكال في شمول هذا الحديث للتكاليف المستحبّة والواجبة معاً ، فيكون الأمر الوارد فيه وهو قوله صلى الله عليه وآله : « فأتوا » مستعملًا في الجامع بين الوجوب والاستحباب ، ففي مورد الوجوب يكون المأمور به الإتيان بقدر الاستطاعة وجوباً ، وفي مورد الاستحباب يكون المأمور به الإتيان بقدر الاستطاعة استحباباً ، ولا ضير في كون مورد الحديث من المستحبّات لأنّ ذيله من قبيل الكبرى الكلّية التي لا تخصّصها خصوصية المورد ، واستعمال الأمر في الجامع لا ينافي المطلوب لأنّ ظاهر الحديث إنّ حكم الميسور في كلّ من الواجب والمستحبّ حكم أصله . هذا كلّه بالنسبة إلى دلالة الرواية الأولى . وأمّا الرواية الثانية وهي قوله صلى الله عليه وآله : « الميسور لا يسقط بالمعسور » فتقريب الاستدلال بها واضح ، لكن يرد عليه : أوّلًا : بمثل ما أورد على الحديث الأوّل من أنّ كلمة « الميسور » مردّد بين الميسور من الأفراد والميسور من الأجزاء ، فلا يمكن الاستدلال به ، لكونه خارجاً عن محلّ الكلام على أحد الاحتمالين . لكن يمكن الجواب عن هذا بما مرّ نظيره في الحديث الأوّل ، وهو اطلاق كلمة « الميسور »