الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

162

انوار الأصول

الماهيات والعناوين دون المصاديق الخارجيّة ، وعليه فالمدار في دوران الأمر بين الأقل والأكثر إنّما هو ملاحظة لسان الدليل الدالّ على الحكم حسب الدلالة اللفظيّة العرفيّة ، لا المصاديق الخارجيّة ، ومن المعلوم أنّ البعث إلى الطبيعة ( كطبيعة الرقبة ) غير البعث إلى الطبيعة المقيّدة ( كطبيعة الرقبة المؤمنة ) ، والنسبة بين المتعلّقين هو القلّة والكثرة وإن كانت المصاديق على غير هذا النحو ، وحينئذٍ نقول : إنّ البعث إلى طبيعة الرقبة معلوم ، وتعلّقه إلى المؤمنة مشكوك فيه ، فتجري البراءة عن المشكوك ، وهكذا المركّبات التحليليّة كالجنس والفصل لأنّ الموضوع ينحلّ عند العقل إلى معلوم ومشكوك فيه ، فالصلاة المشروطة بالطهارة عين ذات الصّلاة في الخارج ، كما أنّ الرقبة المؤمنة عين مطلقها فيه ، والإنسان عين الحيوان وهكذا ، وإنّما الافتراق في التحليل العقلي ، وهو في الجميع سواء ، فكما تنحلّ الصّلاة المشروطة بالصلاة والاشتراط ، كذا ينحلّ الإنسان إلى الحيوان والناطق ، ففي جريان البراءة وقيام الحجّة على المتيقّن دون المشكوك سواء في الجميع » « 1 » . أقول : الأقوى هو القول الثاني وهو ما ذهب إليه المحقّق النائيني رحمه الله ، نعم بالنسبة إلى القيود غير المقوّمة ، المختار هو البراءة العقلائيّة لا العقليّة بناءً على ما حقّقناه في مبحث البراءة . وعلى أي حال لا فرق بين الأجزاء والشرائط والقيود إلّا في القيود المقوّمة لأنّها في نظر العرف من قبيل المتباينين وإن لم يكن كذلك بالدقّة العقليّة ، وإن شئت فاختبر نفسك فيما إذا أمر المولى بصناعة مصنوع خشبي يتردّد بين كونه سريراً أو نافذة ، ففي هذه الحالة وإن كانت وصف السريرية وغيرها من الأعراض للخشب لكنّها تعدّ عند العرف من المقوّمات ، والسرير والنافذة عندهم متباينان كالسيّارة والطائرة ، وإن كانتا مصنوعتين من الخشب والحديد ، ولذلك يوجب التخلّف فيهما بطلان المعاملة لا مجرّد خيار تخلّف الوصف . وبالجملة إنّ المعيار في التباين والوحدة ليس الجنس والفصل المنطقيين بل المعيار الصدق العرفي وإن كان الاختلاف في الاعراض . هذا - بخلاف ما إذا كانت القيود غير مقوّمة عند العرف كقيد الإيمان في الرقبة المؤمنة وقيد الكتابة في العبد الكاتب ، فيكون الفاقد والواجد من قبيل الأقل والأكثر فتجري البراءة بالنسبة إلى الأكثر .

--> ( 1 ) راجع تهذيب الأصول : ج 2 ، ص 345 - 346 ، طبع جماعة المدرّسين .