الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

156

انوار الأصول

الثالثة : فيما إذا حصل لنا العلم من ناحية دليل خارجي كالإجماع ونحوه بعدم حصول غرض المولى فيجب الاحتياط حتّى يعلم بحصوله . وفي غير هذه الموارد لا يجب تحصيل الغرض ، ولا دليل على وجوبه ، وإنّما الواجب على المكلّف الإتيان بالتكاليف الواصلة وامتثال الأوامر والنواهي الثابتة ، فإنّها هي حلقة الاتّصال بين المولى والعبد ، ولا علم للعبد بأغراض المولى ، لأنّ أغراضه تحت اختياره ومربوطة به ، ولا ربط للعبد بها إلّا في ما ذكر ، فيدور أمره في غيره مدار الإبلاغ والوصول . هذا أوّلًا . وثانياً : قد وقع في هذا الوجه الخلط بين قصد الوجه وقصد الجزم ، فإنّ قصد الوجه حاصل في المقام لأنّه يأتي بالأكثر بقصد الوجوب لكن لا جزماً بل احتمالًا ، فالمفقود هو قصد الجزم ( لا قصد الوجه ) ، ولا دليل على اعتباره ، ولذلك اخترنا إمكان الاحتياط في العبادات ، ولو سلّمنا باعتبار قصد الجزم فإنّه منحصر بصورة التمكّن عنه ، والمقام ليس كذلك . ثالثاً : في قول المستدلّ من أنّ المصلحة قد تكون في نفس الإنشاء : إن كان المقصود إمكان تصوّر ذلك في مقام الثبوت فلا إشكال في إمكانه ، وإلّا فإنّا لم نظفر به في الشرعيّات في مقام الإثبات حتّى في مورد واحد . نعم قد يتوهّم بوجوده في ثلاثة موارد : أحدها : الأوامر الامتحانيّة كما في قصّة ذبح إسماعيل عليه السلام . والصحيح أنّ المصلحة فيها أيضاً في نفس العمل لا في خصوص الإنشاء : فإنّ في قصّته عليه السلام وإن لم تكن المصلحة في المأمور به المباشري وهو الذبح ، لكنّها كانت موجودة في مقدّماته وفعل التهيّؤ للذبح والإقدام به ، ولعلّ المأمور به الواقعي عند المولى كان هو الإتيان بمقدّمات الذبح الدالّة على كمال إيثار الخليل والذبيح وإخلاصهما ، كما يشهد عليه قوله تعالى « قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا » كما لا يخفى . ثانيها : الأوامر الجزائيّة كما في قصّة البقرة لنبي إسرائيل فقد ورد في الحديث : « ولكن شدّدوا فشدّ اللَّه عليهم » « 1 » فإنّ ظاهره عدم وجود المصلحة في لونها وسنّها ، بل المصلحة كانت في مجازاتهم بالتضييق عليهم .

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 13 ، ص 262 ، ح 2 .