الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
11
انوار الأصول
وهذا هو المختار ، لأنّ مثل قاعدة الطهارة ليست أساساً من الأصول العمليّة حتّى تصل النوبة إلى البحث عن وضوحها وعدم وضوحها ، بل هي من القواعد الفقهيّة لكونها حكماً كلّياً وضعيّاً يستفاد منها الأحكام الجزئيّة الفقهيّة بتطبيقها على موارد الشكّ في الطهارة ، مضافاً إلى أنّ اعتذار المحقّق الخراساني رحمه الله بأنّها واضحة لا تحتاج إلى نقض وإبرام في غير محلّه ، لأنّها أيضاً تحتاج إلى البحث والدراسة كما يظهر لمن راجعها ، فالوجه في عدم ذكرها في الأصول العمليّة هو دخولها في القواعد الفقهيّة وعدم وجود المناسبة بينها وبين المسائل الاصوليّة . ثمّ إنّ أحسن ما قيل في بيان حصر مجاري الأصول العمليّة في الأربعة هو ما أفاده شيخنا الأعظم رحمه الله ، وحاصله إنّ المشكوك إمّا له حالة سابقة ملحوظة « 1 » أو لا ، والأوّل مورد الاستصحاب ، والثاني ( وهو ما إذا لم تكن له حالة سابقة أو كانت ولم تكن ملحوظة ) إمّا أن يكون الاحتياط فيه ممكناً أو لا ، والأوّل « 2 » إمّا قام دليل عقلي أو نقلي على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع المجهول أو لا ، والأوّل مورد الاحتياط ، والثاني مورد البراءة . أقول : إنّ كلامه أدقّ ما أفيد في هذا المجال ، ولكنّه في نفس الحال ليس سليماً عن الإشكال ، وعمدة الإشكال أنّ ظاهره أنّ مجرى قاعدة التخيير هو عدم إمكان الاحتياط مطلقاً ، أي كلّ ما كان الاحتياط فيه غير ممكن يكون المجرى لقاعدة التخيير مع أنّه ليس كذلك بالنسبة إلى بعض الموارد ، كما إذا دار الأمر مثلًا ( كما في صلاة العيد في زمن الغيبة ) بين الوجوب والحرمة والاستحباب ، فإنّ المجرى فيه هو البراءة مع عدم إمكان الاحتياط فيه . ثمّ إنّ للمحقّق النائيني رحمه الله في فوائد الأصول بياناً في هذا المقام ، وإليك نصّه : « إمّا أن يلاحظ الحالة السابقة للشكّ أو لا ، وعلى الثاني إمّا أن يكون التكليف معلوماً بفصله « 3 » أو نوعه « 4 » أو جنسه « 5 » أو لا ، وعلى الأوّل إمّا أن يمكن فيه الاحتياط أو لا ، فالأوّل مجرى
--> ( 1 ) بخلاف ما إذا كانت للمشكوك حالة سابقة ، ولكن لم تكن ملحوظة كما في موارد الشكّ في المقتضي فليس الاستصحاب فيه حجّة . ( 2 ) وهو ليس منحصراً في الشبهات المحصورة في الشكّ في المكلّف به ، بل يعمّ الشكّ في التكليف في الشبهات قبل الفحص . ( 3 ) كما إذا علمنا أنّ لهذا العمل المنع من الترك وهو فصل الوجوب . ( 4 ) كما إذا كان المعلوم هو الوجوب . ( 5 ) كما إذا كان المعلوم هو أصل اللزوم .