الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
104
انوار الأصول
واستدلّ القائلون بالاشتغال تارةً من طريق مقام الجعل والثبوت ، وأخرى من طريق مقام الامتثال والإثبات : أمّا الطريق الأوّل : فبأنّ مرجع الواجب التعييني « وجوب هذا ولا سواه » ، أو « هذا ولا بدلًا له » فيتركّب من جزءين أحدهما : وجودي ثابت بالوجدان ، والآخر : عدمي يثبت بأصل العدم من دون أن يرد عليه إشكال الأصل المثبت أو العدم الأزلي لأنّه من قبيل المركّب لا المقيّد ( كصفة القرشية للمرأة ) وأمّا الواجب التخييري فمردّه إلى وجوب « هذا أو هذا » فيكون القيد الثاني وجوديّاً فيحتاج إثباته إلى دليل . وأمّا الطريق الثاني : فبأنّ رجوع الشكّ فيهما إلى الشكّ في سقوط ما علم تعلّق التكليف به بفعل ما يحتمل كونه عدلًا له فيكون المرجع قاعدة الاشتغال . ويرد على دليل البراءة بأنّها جارية في الأمور الخارجيّة كالكلفة الحاصلة من صيام جديد أو صلاة كذلك أو أجزاء وشرائط جديدة كالسورة ولبس بعض الملابس ، وأمّا في التحليلات التي لا انحياز لها في الخارج فلا ، مثل ما نحن فيه فإنّ الأخذ بالقدر المشترك أي إلزام أحدهما ( إلزام الجمعة أو صلاة الظهر ) ونفي الزائد عنه أي الكلفة الحاصلة من خصوصيّة كونها ظهراً أو جمعه ليس من قبيل الأمور الخارجيّة المنحازة بل هذا التحليل والتجزئة إنّما يحصل في العقل لا غير . وشمول حديث الرفع وأشباهه لها غير ثابت كما أنّ إجراء البراءة العقليّة ( لا سيّما بناءً على المختار من كونها من قبيل بناء العقلاء ) مورد للإشكال فإذا لم تجر البراءة فيها لم يكن هناك مؤمّن في مقابل احتمال العقاب ، فلا بدّ من الأخذ بالتعيين . وهذا هو العمدة في المقام ، وإلّا فأدلّة القائلين بالاشتغال بكلا شقّيه لا يخلو من تأمّل . أمّا الأوّل ، فلأنّ الفرق بين الواجب التعييني والتخييري ليس من ناحية قيد زائد عدمي في الواجب التعييني بل الواجب التعييني نوع خاصّ من الوجوب يباين ماهيّة مع الواجب التخييري ، فهما نوعان من الإيجاب ، فمن طلب شيئاً تعييناً كان ذلك لخصوصيّة وجوديّة فيها تعلّقت إرادته بها ، فالمولى إذا طلب التفّاح من عبده تعييناً إنّما يريدها لخصوصيّة فيها تقوم بدواء دائه مثلًا لا إنّه أمر عدمي . وكذلك بالنسبة إلى الدليل الثاني ، أعني مقام السقوط فإنّه فرع لمقام الثبوت ، فإذا كانا