الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
88
انوار الأصول
فيصحّ أن يقال : « وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ » ولا يصحّ أن يقال « واسأل الشارع أو البساط » مع كون كلّ من القرية والشارع محلًا لذوي العقول أو معبّراً لهم ، فكلام المشهور إذا كان بملاحظة الصنف الخاص من العلاقة الذي يصحّ معه الاستعمال كالشجاعة من بين أصناف الشباهة أو المسكن من بين أصناف المحلّ والمقرّ فهو ليس بصحيح ، لأنّ استعمال اللفظ في المعنى المجازي أيضاً مطرد كالحقيقة ، ويكون الاطّراد مشتركاً بين الحقيقة والمجاز لا مختصّاً بالمعنى الحقيقي ، وإذا كان كلامهم بملاحظة نوع العلائق فهو تامّ في محلّه . هذا حاصل ما ذكره في المقام . ولكن هاهنا قول آخر ذهب إليه المحقّق النائيني رحمه الله ونقله في تهذيب الأصول وفي المحاضرات ، وهو كون الاطّراد من علائم الحقيقة في خصوص الكلّي بالنسبة إلى أفراده ، وحاصل بيانه : إنّه إذا صحّ استعمال كلّي في عدّة من أفراده بحيث أطرد استعماله فيها نستنتج من مجموع هذه الاستعمالات إنّ معنى هذا الكلّي هو المعنى الجامع بين تلك الأفراد ، وهو الموضوع لذلك المعنى ، فإذا استعمل مثلًا لفظ الرجل في زيد ، ثمّ استعمل أيضاً في عمرو ، وثالثاً في بكر ، ورابعاً في خالد نستكشف من هذا الاطّراد أنّ معنى الرجل حقيقة هو المفرد المذكّر ، وإذا لم يكن استعمال الكلّي مطرداً في الأفراد كما أنّ استعمال الأسد لا يكون مطرداً بالنسبة إلى كلّ فرد شجاع نستكشف من عدم الاطّراد هذا كون استعمال الأسد في الشجاع مجازاً « 1 » . وأجيب عنه بأمرين : الأمر الأوّل : إنّ استعمال الكلّي في فرده مع الخصوصيّات الفرديّة مجاز قطعاً لأنّ التشخصّات الفرديّة لا تكون جزءاً لما وضع له الكلّي ، فاستعماله فيه حينئذٍ يكون استعمالًا في غير الموضوع له : إن قلت : إنّه يكون من باب التطبيق الكلّي على فرده أو تطبيق العامّ على الخاصّ بلا إرادة الخصوصيّة . قلنا : فالعلامة حينئذ صحّة التطبيق لا اطّراد استعمال الكلّي في الأفراد ، لأنّه لم يلاحظ الخصوصيّات الفرديّة ، فلم يلاحظ تعدّد الأفراد لأنّ تعدّدها يتحقّق بتشخّصها ، فلا يكون الاطّراد علامة بل العلامة صحّة التطبيق ، وهي ليست إلّا صحّة الحمل ، وقد مرّ أنّ صحّة
--> ( 1 ) راجع المحاضرات : ج 1 ، ص 121 .