الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

59

انوار الأصول

المماثلة وإن لم تكن مستقلة في الوجود الخارجي كجميع العوارض لا سيّما ما كانت ذات إضافة ، ولكنّها معنى مستقل في الذهن ، ولذلك يمكن جعل كلمة « مثل » محلّه ، بخلاف معنى « من » و « في » فإنّهما غير مستقلّين في أفق الذهن كما هما كذلك في الخارج ، ولا يمكن جعل « الابتداء » و « الظرفيّة » محلّهما . وبقي هنا أمور : 1 - إنّ الوضع في الحروف عامّ والموضوع له خاصّ ، لأنّ « من » مثلًا لم توضع للابتداء الكلّي المتصوّر في الذهن حين الوضع ، بل وضعت لمصاديقه الجزئيّة في الخارج ، لأنّها تحكي عن الابتداء الذي تكون حالة لغيره في مثل « سرت من البصرة إلى الكوفة » فيكون الموضوع له خاصّاً لجزئيّة المصداق ، والوضع عامّاً لعدم إمكان إحصاء هذه المصاديق لكثرتها ، فنحتاج في تصوّرها إلى تصوّر جامع وعنوان مشير إليها ، ولولا ذلك لم يكن فرق بينه وبين لفظ الابتداء . هذا كلّه بالنسبة إلى القسم الأوّل من الحروف . أمّا القسم الثاني وهي التي تدلّ على المعاني الإيجاديّة فيكون الموضوع له فيها جزئيّاً حقيقيّاً خارجياً لأنّها وضعت للإنشاء الذي هو إيجاد ، ومن المعلوم أنّ ما يوجد بكلمة « يا » مثلًا في جملة « يا زيد » هو النداء الجزئي الخارجي لا تعدّد ولا تكثّر فيه . أمّا القسم الثالث الذي يكون من قبيل العلامة فلا يتصوّر فيه الوضع والموضوع له المعهودان في باب الألفاظ اللّذين هما محلّ الكلام ( لعدم دلالته على معنى ) . وأمّا القسم الرابع فلا نأبى فيه من كون الوضع فيه عاماً والموضوع له أيضاً عامّاً كأسماء الأجناس ، ولكنّه قليل جدّاً . 2 - إنّ معاني الحروف وإن كانت غير مستقلّة لا تلاحظ في أنفسها بل تلاحظ في غيرها لكن ليس هذا بمعنى الغفلة عنها وعدم النظر إليها كما قيل ، بل ربّما تكون هي المقصود بالبيان فقط ، كما يقال : « هذا عليك لا لك » فيكون قصد المتكلّم فيها معنى « على » و « اللام » ، ولا يكون غيرهما مقصوداً بالذات ، وسيأتي في باب الواجب المشروط ثمرة هذه النكتة بالنسبة إلى القيود الواردة في الجملة وأنّها هل ترجع إلى المادّة أو الهيئة ؟ فقال بعض استحالة رجوعها إلى