الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
551
انوار الأصول
أمّا القول الأوّل : فبطلانه واضح بناءً على الامتناع ، لأنّه تكليف بما لا يطاق ، وأمّا بناءً على الجواز فكذلك لأنّ ما نحن فيه ليس من باب اجتماع الأمر والنهي لأنّ العنوان فيه واحد ، وهو عنوان الغصب الذي تعلّق به الحرمة ، وأمّا الخروج فإنّ وجوبه - لو سلّم - يكون من باب مقدّميته للكون في خارج المكان المغصوب ، وقد مرّ في مبحث مقدّمة الواجب أنّ الواجب هو ذات المقدّمة وهو التصرّف في أرض الغير بالخروج ( في ما نحن فيه ) لا عنوانها . أضف إلى ذلك عدم وجود مندوحة في المقام ، ومعه لا يمكن الزجر عن الغصب حين الخروج لأنّه تكليف بما لا يطاق أيضاً ، ومجرّد كون الاضطرار بسوء الاختيار لا يوجب جواز هذا التكليف من جانب الشارع . إن قلت : إنّ الاضطرار هنا مصداق للامتناع بالاختيار الذي لا ينافي الاختيار . قلنا : أوّلًا : إنّ قاعدة « الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار » جارية في خصوص الأفعال الاختياريّة للإنسان في مبحث الجبر والاختيار في جواب القائلين بالجبر حيث قالوا : أنّ الإنسان مجبور في أفعاله لأنّها لا تخلو من أحد أمرين : فإمّا أن تكون علّتها التامّة في الخارج متحققة ، أولًا : فإن تحقّقت يجب تحقّق الفعل المعلول ويصير الفعل واجب الوجود بالغير ، فإنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد ، وإذا وجب تحقّقه فلا معنى لكونه اختياريّاً لأنّ الاختيار هو حالة « إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل » ، أي حالة الإمكان والتسوية بين الفعل والترك لا الوجوب والضرورة ، وإن لم تتحقّق العلّة التامّة فلا يتحقّق الفعل وجوباً وضرورة أيضاً ، لأنّ الشيء ما لم تتحقّق علّته التامّة وما لم يصل إلى حدّ الوجوب لا يمكن تحقّقه في الخارج ، فالانسان دائماً إمّا مجبور على الفعل أو مجبور على الترك . فإنّ القاعدة المزبورة تجري في الجواب عن هذا الاستدلال ببيان أنّ حاجة المعلول في تحقّقه في الخارج إلى تحقّق علّته التامّة لا تنافي الاختيار ، لأنّ الجزء الأخير لها إنّما هو إرادة الإنسان ، فبإرادته واختياره الفعل أو الترك يجب الفعل أو الترك ، فهذا الوجوب أو ذاك الامتناع يكون مقارناً للاختيار وبالاختيار ، وهو لا ينافي الاختيار لإمكان تركه بترك إرادته بخلاف ، ما نحن فيه لأنّ المفروض إنّه مضطرّ إليه فعلًا ولا يمكن له تركه . ثانياً : لو سلّمنا جريانها في غير المقام المزبور إلّا أنّه لا يجري في ما نحن فيه أيضاً ، لأنّ النهي هنا لا يمكن صدوره من جانب الشارع لأجل زجر المكلّف بل إنّه يصدر لأجل العقاب فقط ،