الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

503

انوار الأصول

الفصل الأوّل في دلالات صيغة النهي وفيه جهات من البحث : الجهة الأولى : في حقيقة النهي ومدلول صيغته المعروف بين القدماء وكثير من المتأخّرين أنّ مفاد النهي متّحد مع مفاد الأمر في دلالة كليهما على الطلب ، إنّما الفرق في متعلّقهما ، فمتعلّق النهي هو الترك ، ومتعلّق الأمر هو الفعل ، وقد ذهب إليه جماعة من المتأخّرين أيضاً منهم المحقّق النائيني رحمه الله ، ولكن ذهب جماعة أخرى من المحقّقين المعاصرين إلى العكس ، فمتعلّق الأمر والنهي عندهم واحد وهو الفعل ، ومدلولهما مختلف ، فمدلول النهي هو الزجر عن الفعل ، ومدلول الأمر هو البعث إلى الفعل ، وهذا هو المختار ، ومختار تهذيب الأصول واختاره أيضاً بعض الأعلام في المحاضرات وفي هامش أجود التقريرات . ويمكن أن يستدلّ له : أوّلًا : بالتبادر فإنّ المتبادر من هيئة « لا تفعل » هو الزجر والمنع عن الفعل لا طلب تركه . وإن شئت قلت : النهي التشريعي كالنهي التكويني فكما أنّ الناهي عن فعل تكويناً وخارجاً يمنع المنهي ويزجره عن الفعل بيده مثلًا لا أنّه يطلب تركه - كذلك الناهي تشريعاً . ثانياً : إنّ النواهي لا تصدر من جانب الناهي إلّا لوجود مفاسد في الأفعال المنهي عنها كما أنّ الأوامر تصدر من جانب الآمر لأجل مصالح موجودة في الأفعال المأمور بها ، فالنهي عن شرب الخمر لا يكون إلّا لأجل مفسدة فيه ، كما أنّ الأمر بالصّلاة لا يكون إلّا لأجل مصلحة موجودة في الصّلاة ، لا أنّ النهي عن شرب الخمر يكون لأجل مصلحة في تركه حتّى يكون