الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

452

انوار الأصول

وبخطاب واحد ، وهذا نظير ما إذا قال البائع : « بعت هذه المائة » الذي لا إشكال في انحلاله إلى مائة تمليك ، ولذلك لو كان بعضها ملكاً لغير البائع صار البيع باطلًا أو فضولياً بالنسبة إليه مع بقائه على صحّته بالإضافة إلى غيره ، وليس هذا إلّا من باب تعدّد المنشأ وإن كان الخطاب والإنشاء واحداً . الموقع الثاني : فيما أفاده في المقدّمة الرابعة بالإضافة إلى مرتبة الإنشاء والفعليّة من الحكم ، فإنّه لا إشكال في أنّ الفارق بين الإنشاء والفعليّة إنّما هو وجود البعث أو الزجر في مرحلة الفعليّة وعدم وجودهما في مرحلة الإنشاء ، فشمول مرحلة الفعليّة للجاهل والعاجز لازمه توجّه البعث أو الزجر إليهما مع أنّ من شرائط البعث أو الزجر الانبعاث أو الانزجار ، ولا إشكال في عدم انبعاثهما وعدم انزجارهما ، ولذلك في مقام الجمع بين الحكم الواقعي والحكم الظاهري نقول : إذا كان الحكم الواقعي مخالفاً للظاهري صار إنشائيّاً لأنّه حينئذٍ يكون مجهولًا للمكلّف ، والجاهل لا يمكن بعثه أو زجره ، فلا يمكن أن يكون الحكم المجهول فعليّاً بالنسبة إليه . الموقع الثالث : فيما أفاده في المقدّمة السادسة من « أنّ الأحكام الشرعيّة غير مقيّدة بالقدرة لا شرعاً ولا عقلًا وإنّما يكون العاجز معذوراً بحكم العقل » فإنّه كيف يمكن للحكيم أن يوجّه حكمه إلى العاجز على نحو الإطلاق مع التفاته بعجزه ؟ أليس هذا تكليفاً بما لا يطاق ومخالفاً لما ورد من الآيات والرّوايات في هذا المقام كقوله تعالى : « لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها » وكقول الصادق عليه السلام : « اللَّه أكرم من أن يكلّف ما لا يطيقون ، واللَّه أعزّ أن يكون في سلطانه ما لا يريد » « 1 » ؟ وبالجملة إنّ القدرة من الشرائط العامّة للتكليف ويدلّ عليه : أوّلًا : إنّ الإطلاق وعدم التقييد بالقدرة من جانب الحكيم قبيح عقلًا فإنّ الإطلاق وإن لم يكن بمعنى جمع القيود ، ولكن تعلّق الحكم بطبيعة المتعلّق وتوجّه البعث إليها بحيث تكون هي تمام المطلوب للمولى الحكيم من دون ملاحظة القدرة والعجز قبيح عليه ، وبعبارة أخرى : لا إهمال في مقام الثبوت ، فإمّا أنّ المولى لاحظ القدرة ثبوتاً أو لم يلاحظ ، لا إشكال في ملاحظته إيّاها ولكن ترك ذكرها في الخطاب من باب الوضوح وعدم الحاجة إلى البيان عقلًا .

--> ( 1 ) أصول الكافي : ج 1 ، ص 160 .