الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

425

انوار الأصول

ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه » وقوله تعالى : « وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ » فإذا تعلّق بالمسبّب في ظاهر الخطاب فهو متعلّق بذات السبب في نفس الأمر لا محالة ، كما أنّه إذا تعلّق بالسبب فهو يتعلّق به بما أنّه معنون بمسبّبه ، وهذا القسم هو مراد العلّامة الأنصاري رحمه الله في المحصّل في ما ذهب إليه من أنّ البراءة لا تجري عند الشكّ في المحصّل كما أشرنا إليه سابقاً ، فإذا كان الأمر بكلّ منهما أمراً بالآخر فلا معنى للاتّصاف بالوجوب الغيري فيكون هذا القسم خارجاً عن محلّ النزاع ، فلا وجه للتعبير بصرف الخطاب فإنّه فرع التعدّد ، والمفروض فيما نحن فيه هو الوحدة والاتّحاد » « 1 » . وقد أورد عليه بحقّ في هامش أجود التقريرات بالإضافة إلى تمثيله للقسم الثاني بعنواني الإلقاء والإحراق وبعنواني الغسل والتطهير « بأنّ الإلقاء غير الإحراق خارجاً وكذلك الطهارة بمعنى النظافة العرفيّة موجودة في الخارج بوجود مغاير لوجود الغسل ومترتّبة عليه بالوجدان ، وأمّا الطهارة الشرعيّة فهي حكم شرعي مترتّب على وجود موضوعه خارجاً وهو الغسل ، فكيف يعقل أن يكون عنوان الطهارة منطبقاً على ما ينطبق عليه عنوان الغسل » « 2 » . أقول : ويرد عليه أيضاً أنّه لا معنى لاتّحاد السبب مع المسبّب في الخارج لأنّ العلّة والمعلول وجودان مختلفان في عالم الخارج ، واتّحادهما خارجاً يوجب إنكار العلّية الخارجيّة كما لا يخفى ، هذا مضافاً إلى أنّ المفروض قيام الملاك بالمسبّب بعنوانه ، فالإرادة أوّلًا وبالذات إنّما تتعلّق به ولا يكون السبب بعنوانه إلّا واجباً غيريّاً ، فتأمّل . وهاهنا تفصيل ثالث للمحقّق الحائري رحمه الله في درره ، وهو التفصيل بين ما إذا كانت الواسطة من قبيل الآلات مثل انكسار الخشبة المتحقّق بإيصال الآلة قوّة الإنسان إليها ، وبين ما إذا لم يكن كذلك كما لو كان في البين فاعل آخر ، كما في إلقاء إنسان إلى السبع فيلقي حتفه ، أو إلقاء الشخص في النار فتحرقه ، ففي مثل الصورة الأولى يكون الأمر حقيقة متعلّقاً بالمسبّب لأنّ مثل انكسار الخشبة بالآلة يعدّ عرفاً فعلًا من أفعال الإنسان وإن تحقّق بسبب الآلة ، فيكون وجوب السبب فيها من باب المقدّمة ، وأمّا في الصورة الثانيّة فحيث إنّ مثل الإحراق والقتل في المثالين ليس من أفعال الإنسان بل من أفعال الواسطة حقيقة يجب إرجاع الأمر المتعلّق

--> ( 1 ) أجود التقريرات : ج 1 ، ص 219 - 220 . ( 2 ) المصدر السابق : ص 219 .