الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

419

انوار الأصول

المقصد وإلى الغاية المطلوبة لا يحصل إلّا بإيجاد مقدّماته ، فلا محالة يريده مستقلًا بعد تماميّة مقدّماتها ، وأمّا الآمر غير المباشر فالذي يلزم عليه هو البعث نحو المطلوب وإظهار ما تعلّقت به إرادته ببيان وافٍ ، بحيث يمكن الاحتجاج به على العبد ، ويقف العبد به على مراده حتّى يمتثله ، وأمّا إرادة المقدّمات فلا موجب له ولا غاية ، بعد حكم العقل بلزوم إتيانها ، والحاصل أنّه فرق بين المباشر والآمر فإنّه لا مناصّ في الأوّل عند تعدّد الإرادة ، لأنّ المفروض إنّه المباشر للأعمال برمّتها فلا محالة تتعلّق الإرادة بكلّ ما يوجده بنفسه ، وأمّا الآمر فيكفي في حصول غرضه بيان ما هو الموضوع لأمره وبعثه ، بأن يأمر به ويبعث نحوه ، والمفروض أنّ مقدّمات المطلوب غير خفي على المأمور ، وعقله يرشد إلى لزوم إتيانها فحينئذٍ لأيّ ملاك تنقدح إرادة أخرى متعلّقة بالمقدّمات ؟ » « 1 » . وثانياً : بأن ترشّح إرادة من إرادة أخرى بمعنى كون إرادة الواجب علّة فاعلية لارادتها من غير احتياج إلى مبادئ اخر كالتصوّر والتصديق بالفائدة ممّا لا أصل له ، لأنّ الحاكم بوجوب المقدّمة على الفرض هو الشارع الفاعل المريد المختار ، وإنّ سبب الوجوب إنّما هو نفس المولى وإرادته ، فتوقّف ذي المقدّمة على المقدّمة يكون حينئذٍ داعياً لايجابه المقدّمة ، لا أن يكون سبباً بنفسه لوجوبها « 2 » . ولكن يمكن الجواب عن كلا الوجهين : أمّا الوجه الثاني : فلأنّه يمكن أن يقال بأنّ مراد المحقّق النائيني رحمه الله ومن يحذو حذوه من الترشّح إنّما هو أنّ المولى الحكيم يريد المقدّمات عند إرادة ذيها لا محالة ، أي إذا تعلّقت الإرادة بذي المقدّمة تعلّقت مبادئها من التصوّر والتصديق وغيرهما بمقدّماتها أيضاً ، غاية الأمر أنّها إرادة غيريّة تبعيّة ، مع كونها في نفس الوقت مولويّة لا إرشاديّة ، فليس المقصود من الترشّح التولّد القهري غير الإرادي حتّى يقال بأنّه لا أصل له ، بل المراد منه التلازم بين الإرادتين ، بمعنى أنّ المولى الحكيم إذا التفت إلى توقّف ذي المقدّمة على مقدّماتها يتولّد في نفسه مبادئ إرادتها بمقتضى حكمته . إن قلت : ليس الكلام في الإرادة وتولّدها في نفس المولى بل الكلام في جعل قانون واعتبار

--> ( 1 ) تهذيب الأصول : ج 1 ، ص 221 طبع مهر . ( 2 ) راجع تهذيب الأصول : ج 1 ، ص 220 و 221 ، طبع مهر .