الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
408
انوار الأصول
يسمّى بالحصّة التوأمة على بعض التعابير ، وبالقضيّة الحينية على تعبير آخر ، لأنّه لا إهمال في مقام الثبوت ، فإنّ المولى إمّا أن يطلب الوضوء مثلًا مع تقيّده بقيد الإيصال فيكون من قبيل القضيّة المشروطة ، أو لا يطلبه في الواقع كذلك فيكون من قبيل القضيّة المطلقة ، ولا نعقل شيئاً ثالثاً في مقام الثبوت والواقع . وقد يجاب عن هذه المناقشة بأنّه يمكن تصوير شقّ ثالث في مقام الثبوت وهو ما قد يعبّر عنه بالتضيّق الذاتي في المعلول بالنسبة إلى علّته ، فإنّ كلّ نار مثلًا لا توجد مطلق الحرارة بل إنّما توجد الحرارة المضيّقة بها نفسها ، فالحرارة بالنسبة إليها لا مطلقة وهو واضح ، ولا مقيّدة لأنّ في التقييد يكون القيد والمقيّد في رتبة واحدة ، والحرارة معلولة للنار ، والمعلول ليس في رتبة علّته فلا بدّ من القول أنّ الحرارة مضيّقة بالنار في مرتبة الذات ، وهكذا في ما نحن فيه ، فالوضوء لا مطلق بالنسبة إلى الصّلاة ولا مقيّد بها ، لكونهما في رتبتين ، فيكون مضيّقاً بها بتضيّق ذاتي ، ولعلّ هذا هو المراد من الحصّة التوأمة . ولكن يمكن الجواب عنه أيضاً : بأنّ التضيّق الذاتي أمر مقبول في باب العلّة والمعلول ، وقد مرّ كراراً أنّ مثل المقام ليس من ذلك الباب ، فإنّ العلّة لوجوب الوضوء إنّما هي إرادة المولى لا وجوب الصّلاة ، بل وجوب الصّلاة من قبيل الداعي للمولى إلى إيجاب الوضوء فقياس الوضوء ، بالنسبة إلى الصّلاة بالحرارة بالنسبة إلى النار مع الفارق ، ولا يمكن تصوير شقّ ثالث باسم التضيّق الذاتي فيه ، بل يدور الأمر فيه بين الإطلاق والاشتراط كما عرفت ، وحيث إنّه ليس من باب العلّة والمعلول فلا مانع من التقييد والاشتراط فيه ، أي يقول المولى : إنّما أريد هذا الوضوء مقيّداً بإيصاله إلى الصّلاة ، فرجع الكلام بالمآل إلى المقدّمة الموصلة . فتلخّص من جميع ما ذكرنا أنّ جميع الأقوال غير تامّة إلّا القول الرابع وهو مقالة صاحب الفصول . فنقول : الحقّ في المسألة هو هذا القول ، أي وجوب المقدّمة الموصلة ويمكن أن يستدلّ له بأُمور ثلاثة : الأمر الأوّل : الوجدان ، وهو العمدة ، فإنّ الوجدان الفقهي في المقدّمات المحرّمة حاكم بأنّ تبديل حكم حرمة المقدّمة إلى جوازها بل وجوبها منحصر فيما إذا أوصل المكلّف إلى ذي المقدّمة ، فمن دخل الدار المغصوبة ولم ينقذ الغريق فقد عصى ، ومن دخلها وأنقذ الغريق فقد