الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

38

انوار الأصول

المحقّق الخراساني رحمه الله ، ولتوضيح العوارض الذاتيّة نقول : إنّ المعروف في محلّه عند القدماء أنّ العوارض على قسمين : ذاتيّة وغير ذاتيّة ( غريبة ) ، لأنّها إمّا أن تعرض للشيء بلا واسطة كالحرارة بالنسبة إلى النار ، أو تعرضه بواسطة أمر داخلي وهو على قسمين : أمر داخلي مساوٍ للمعروض كعروض الإدراك على الإنسان بواسطة الناطقية ، أو أمر داخلي أعمّ من المعروض كعروض الحركة على الإنسان بواسطة الحيوانيّة ، ( ولا يخفى أنّ الأمر الداخلي لا يمكن أن يكون مبايناً لمعروضه كما لا يمكن أن يكون أخصّ منه ) ، أو تعرّضه بواسطة أمر خارجي ، وهو على أربعة أقسام : أمر خارجي مباين للمعروض كعروض الحرارة على الماء بواسطة النار ، وأمر خارجي مساوٍ للمعروض كعروض الإدراك على الضاحك بواسطة الناطقية ، وأمر خارجي أخصّ من المعروض كعروض الإدراك على الحيوان بواسطة الناطقية ، وأمر خارجي أعمّ من المعروض كعروض المشي على الناطق بواسطة الحيوانيّة ، فصارت الأقسام سبعة . كما أنّ المعروف أنّ الأوّلين منها من العوارض الذاتيّة وهما العارض بلا واسطة والعارض بأمر داخلي مساوٍ ، كما أنّه لا إشكال في كون الخامس والسابع منها ( وهما العارض بواسطة الخارجي الأعمّ والعارض بأمر خارجي مباين ) من العوارض الغريبة ، وأمّا الثلاثة الباقية فقد وقعت معركة للبحث والآراء ومحلّ الكلام منها هو المنطق أو الفلسفة . أقول : أوّلًا : ما الدليل على هذا التقسيم ؟ وما هو الملاك فيه ؟ وما المعيار في كون العرض ذاتياً أو غير ذاتي . فإن كان هناك مصطلح خاصّ فالأمر فيه سهل ولكن التفاوت الحقيقي بين العلوم لا يدور مداره ، وإن كان أمراً وراءه فلا بدّ من بيانه . وثانياً : لا دليل على أنّ مصنّفي العلوم قصدوا من العوارض الذاتيّة المعنى المذكور . هذا - وقد أجاد بعضهم حيث اتّخذ طريقاً آخر وملاكاً جديداً للعرض الذاتي والعرض الغريب ، فقال : الذاتي ما يعرض الشيء بلا واسطة في العروض ، أي بدون الواسطة مطلقاً أو مع الواسطة في الثبوت ( كعروض الحرارة على الماء بواسطة النار ) . والمقصود من كون الواسطة واسطة في الثبوت إنّما هو العروض حقيقة فإنّ الماء يصير بواسطة النار حارّاً حقيقة لا مجازاً وعناية ، فيكون من قبيل إسناد شيء إلى ما هو له الذي لا يصحّ سلبه عنه « 1 » .

--> ( 1 ) وهذا التفسير للواسطة في الثبوت والعروض هو الذي ينبغي أن يكون مصطلحاً في الباب وإن كان يفارق ما اصطلح عليه القدماء في هذا المجال .