الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
378
انوار الأصول
هو نفس مناسك الحجّ التي لا يرضى الشارع بتركها لا ما يترتب عليها من المصالح . ومما ذكرنا ظهر أنّ تعريف المشهور للواجب النفسي والغيري ممّا لا غبار عليه ، وإنّ ما أورد عليه من الإشكال المعروف ليس بوارد ، فالواجب النفسي هو ما أمر به لنفسه ، والغيري ما أمر به للوصول إلى واجب آخر . ثمّ إنّه إذا شكّ في واجب أنّه نفسي أو غيري كما إذا شكّ في أنّ غسل الجنابة واجب نفسي مطلوب لنفسه أو أنّه واجب لأجل واجب آخر كالصّلاة والصّيام ؟ فما هو مقتضى الأصل اللّفظي والعملي ؟ وقد مرّ إجمال البحث عنه في الفصل الخامس من مبحث الأوامر ، وقلنا هناك أنّ موضعه الأصلي هو البحث في تقسيمات الواجب : فنقول : أمّا الأصل اللّفظي فقد ذهب المحقّق الخراساني رحمه الله إلى أنّ مقتضى إطلاق صيغة الأمر كون الواجب نفسياً لا غيريّاً ، لأنّه لو كان شرطاً لغيره لوجب التنبيه عليه على المتكلّم الحكيم في مقام البيان . وقد أورد عليه أوّلًا : إنّ الصيغة موضوعة لمصاديق الطلب الحقيقي المنقدح في نفس الطالب لا لمفهوم الطلب فإنّ الفعل لا يتّصف بالمطلوبيّة إلّا بواسطة تعلّق واقع الإرادة وحقيقتها عليه لا بواسطة مفهومها ، ومن المعلوم أنّ الفرد من الطلب الحقيقي المنقدح في نفس الطالب جزئي لا يعقل فيه التقييد والإطلاق ، فلا معنى للتمسّك بإطلاق الصيغة لكون الواجب نفسياً لا غيريّاً « 1 » . ولكن أجيب عنه : إنّ مفاد الهيئة ليس الأفراد بل هو مفهوم الطلب لأنّ الطلب الحقيقي من الصفات الخارجيّة كالشجاعة والجود ونحوهما لا الأمور الاعتباريّة كالزوجيّة والملكيّة وغيرهما ممّا يقبل الإنشاء بالصيغة ( نعم إنّ منشأ الطلب الإنشائي ربّما يكون هو الطلب الحقيقي ) ومن المعلوم أنّ مفهوم الطلب الإنشائي ممّا يقبل التقييد والإطلاق ، فقد وقع الخلط بين المفهوم والمصداق . أقول : يرد عليه ما مرّ في اتّحاد الإرادة والطلب من أنّ الطلب ليس قائماً بالنفس بل القائم
--> ( 1 ) مطارح الأنظار : ص 67 ، الهداية : 11 من وجوب مقدّمة الواجب .