الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
348
انوار الأصول
والعاديّة ترجعان في الواقع إلى المقدّمة العقليّة ، والتفاوت بينهما أنّ الشرعيّة كشف عنها الشارع ، والعاديّة يكون ممّا لا بدّ منها بحسب العادة فهي من هذه الجهة عقليّة . الثالث : تقسيمها إلى مقدّمة الوجوديّة ومقدّمة الصحّة ومقدّمة الوجوب ومقدّمة العلم وتعريف كلّ واحد منها واضح وكذلك مثاله الشرعي أو العرفي ، إنّما الكلام في دخول كلّ منها في محلّ النزاع وعدمه . فلا إشكال في دخول اثنين منها فيه ، وهما مقدّمة الوجود ومقدّمة الصحّة . أمّا مقدّمة الوجود : فهي القدر المتيقّن منها ، حيث إنّ أصل النزاع في مقدّمة الواجب إنّما هو فيما يتوقّف على وجوده وجود ذي المقدّمة ، فكيف لا تكون مقدّمة الوجود داخلة فيه ؟ وأمّا مقدّمة الصحّة : فلرجوعها إلى مقدّمة الوجود حتّى على القول بالأعمّ ، لأنّ الواجب والمأمور به بأمر المولى إنّما هو الصحيح من العمل ولا إشكال في توقّفه على مقدّمة الصحّة وإن لم يتوقّف المسمّى عليها كما صرّح به المحقّق الخراساني رحمه الله . وأمّا مقدّمة الوجوب : فمن المعلوم خروجها عن محل النزاع ، إذ قبل تحقّق مقدّمة الوجوب لا وجوب للواجب حتّى يقع البحث في ترشّح الوجوب منه إلى مقدّماته ، وبعد تحقّقها لا معنى لترشّح الوجوب من الواجب إليها لأنّه تحصيل للحاصل . وأمّا مقدّمة العلم : فقد يقال أنّ وجوبها ليس من باب الملازمة وترشّح الأمر الغيري من ذي المقدّمة إلى المقدّمة ، وذلك لعدم توقّف وجوب الواجب عليها كي يستقلّ العقل بالملازمة بين وجوب الشيء ووجوب ما يتوقّف عليه وجوده ، بل المتوقّف عليها هو العلم بالواجب ، وذلك لإمكان حصول الواجب بدونها صدفة كما إذا غسل يده ولم يغسل شيئاً يسيراً ممّا فوق المرفق وقد صادف المقدار الواجب ، أو صلّى إلى إحدى الجهات الأربع ولم يصلّ إلى سائر الجهات وقد صادفت القبلة الواقعيّة ، وعليه ظهر أنّ وجوبها كان من باب استقلال العقل به تحصيلًا للأمن من العقوبة لا من باب الملازمة كما ظهر خروجها عن محلّ النزاع حتماً . وببيان آخر : « لا شبهة في خروجها عن مورد البحث ، وذلك لأنّ الصّلاة التي وقعت إلى القبلة في المثال هي نفس الواجب وليست مقدّمة له ، وأمّا غيرها فهي مغايرة للواجب ولا