الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
343
انوار الأصول
والإنصاف أنّ هذه النزاعات والتطويلات قد نشأت من عدم التفكيك بين المسألة الاصوليّة والمسألة الفقهيّة وبين القاعدة الفقهيّة ، فإنّ المسألة من القواعد الفقهيّة وليست من المسائل الاصوليّة ولا من المسائل الفقهيّة ، وسرّه يظهر بملاحظة ما ذكرنا في أوّل الأصول من معيار كون المسألة اصوليّة أو فقهيّة أو قاعدة فقهيّة ، فقد مرّ هناك : أنّ المسألة الاصوليّة هي القواعد التي لا تشمل على حكم شرعي بل تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي أو الوظيفة العمليّة ، وإنّ المسألة الفقهيّة هي التي تبحث عن نفس الأحكام الفرعيّة الخاصّة والتكاليف الجزئيّة العمليّة في كلّ باب باب من أبواب الفقه المعدّة لعمل المقلّدين ، وأمّا القاعدة الفقهيّة فهي عبارة عن الأحكام الكلّية الفرعيّة التي تجري في جميع أبواب الفقه أو في أبواب عديدة من الفقه ، ولا يمكن تفويض أمر تطبيقها على مصاديقها إلى المقلّدين مثل قاعدة « لا تعاد » التي تجري في جميع أبواب الصّلاة ، وقاعدة « لا حرج » التي تكون جارية في جميع أبواب الفقه ، فكلّ واحدة منهما تسمّى قاعدة لكونها كلّية ، وفقهيّة لكون الحكم فيها حكماً من الأحكام الفرعيّة الشرعيّة ( والمراد من الحكم هو الأعمّ من عقده الإثباتي والنفي فيشمل حتّى مثل مفاد قاعدة لا حرج الذي هو عبارة عن نفي الحكم لا الحكم نفسه ) . فظهر أنّ مسألة وجوب المقدّمة من القواعد الفقهيّة لأنّها حكم فرعي كلّي حتّى بناءً على عنوانها الآخر وهو ثبوت الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته وعدمه ، لأنّ لازم وجود الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدّمته إنّ المقدّمة واجبة بوجوب ذيها ، وعلى هذا لا يمكن تفويض أمر تطبيقها على مصاديقها إلى المقلّدين ، فإنّه يحتاج إلى دقّة ونظر وإحاطة بأُمور لا يقدر عليها المقلّد ، كما في سائر القواعد الفقهيّة : فقد يكون وجوب المقدّمة معارضاً لحرمة ذاتيّة لا بدّ من ملاحظة الأرجح منهما كما في الدخول في الأرض المغصوبة لنجاة الغريق ، وقد يكون وجوب ذي المقدّمة مشروطاً إلى غير ذلك ممّا لا يسع المقلّد تشخيصها . كما ظهر إلى هنا أنّه لا وجه لتغيير عنوان ذكره الأقدمون للمسألة إلى عنوان آخر ، والمسألة ليست لفظيّة كذلك ، فذكرها في باب الألفاظ استطرادي كما أنّ ذكرها في علم الأصول مطلقاً كذلك .