الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

296

انوار الأصول

ونحن نبحث هنا بناءً على كلا المبنيين ، وأمّا أيّهما هو الصحيح فسنتكلّم عنه في ذيل مبحث الأوامر عند البحث عن تقسيمات الواجب . وأمّا الواجب العيني والكفائي فيأتي فيه نظير ما مرّ في الواجب التعييني والتخييري ولكنّه بالنسبة إلى المكلّف لا المتعلّق ، فالواجب الكفائي يحتمل أن يكون الوجوب فيه متعلّقاً بجميع المكلّفين على نحو العموم الاستغراقي مع سقوط الوجوب بإتيان من به الكفاية ، ويحتمل أن يكون الوجوب فيه متعلّقاً بجامع أحد المكلّفين أو جماعة من المكلّفين . إذا عرفت هذا فنقول : إذا شككنا في النفسيّة والغيريّة كما إذا شككنا في أنّ غسل الجنابة مثلًا واجب نفسي أو واجب غيري ، أو شككنا في التخييري والتعييني كما إذا شككنا في أنّ صلاة الجمعة في عصر الغيبة هل هي واجب تعييني أو واجب تخييري يخيّر المكلّف بينها وبين صلاة الظهر ، أو شككنا في العينية والكفائيّة كما إذا شككنا في أنّ الجهاد واجب كفائي أو عيني ( ولا إشكال في أنّ الشكّ هذا من قبيل الشبهة الحكمية لا الموضوعيّة ) فيقع البحث في مقامين : الأوّل : في مقتضى الأصل اللّفظي ، والثاني : في مقتضى الأصل العملي . أمّا المقام الأوّل : فذهب المحقّق الخراساني رحمه الله وجماعة إلى أنّ مقتضى إطلاق الأوامر هو النفسيّة والعينية والتعيينيّة . وهو واضح بالنسبة إلى النفسيّة والغيريّة ، فإذا قال المولى لعبده « اغتسل للجنابة » من دون أن يقيّده بشيء فلا إشكال في أنّ ظاهره وجوب غسل الجنابة مطلقاً سواء كانت الصّلاة أيضاً واجبة أو لا ؟ وبعبارة أخرى : إنّ إطلاقه يقتضي عدم تقيّد وجوب غسل الجنابة بوجوب شيء آخر ، ولازمه النفسيّة . وقد تمسّك بعض الأعلام أيضاً بإطلاق الأمر بالصّلاة من أنّ مقتضاه عدم تقيّد وجوب الصّلاة بغسل الجنابة ولازمه العقلي كون غسل الجنابة واجباً نفسياً ، وإليك نصّ كلامه : « لو كان لقوله تعالى « أقيموا الصّلاة » إطلاق فمقتضاه عدم تقييد الصّلاة بالطهارة أو نحوها فالتقييد يحتاج إلى دليل ومئونة زائدة والإطلاق ينفيه ، ولازم ذلك هو أنّ وجوب الطهارة المشكوك نفسي لا غيري » « 1 » .

--> ( 1 ) المحاضرات : ج 2 ، ص 199 .