الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
238
انوار الأصول
ونحوهما ، وقد عرفت أنّ هذا النحو من العوارض يحتاج إلى جعل مستقلّ يتعلّق به . ثانيهما : أنّ يكون الوصف من لوازم وجوده كصفة الاختيار للإنسان ، فإنّه من لوازم وجوده ولو في بعض مراتبه ، وقد عرفت أنّ هذا النحو من الأوصاف لا يحتاج في تحقّقه إلى جعل مستقلّ غير جعل معروضه ، فالانسان ولو في بعض مراتب وجوده مقهور بالاتّصاف بصفة الاختيار ، ويكفي في تحقّق صفة الاختيار للإنسان تعلّق الإرادة الأزليّة بوجود نفس الإنسان . ثمّ قال : لا ريب في أنّ كلّ فعل صادر من الإنسان بإرادته ، له مبادئ كعلم بفائدته وكشوق إليه وقدرة عليه واختياره في أن يفعله وأن لا يفعله وإرادته المحرّكة نحوه ، وعليه يكون للفعل الصادر من الإنسان نسبتان : إحداهما : إليه باعتبار تعلّق اختياره به الذي هو من لوازم وجود الإنسان المجعولة بجعله لا بجعل مستقلّ . والأخرى : إلى اللَّه تعالى باعتبار إيجاد العلم بفائدة ذلك الفعل في نفس فاعله وإيجاد قدرته عليه وشوقه إليه إلى غير ذلك من المبادئ التي ليست من لوازم وجود الإنسان ، وحينئذٍ لا يكون الفعل الصادر من الإنسان بإرادته مفوّضاً إليه بقول مطلق ولا مستنداً إليه تعالى كذلك ليكون العبد مقهوراً عليه ، ومعه يصحّ أن يقال : لا جبر في البين لكون أحد مبادئ الفعل هو اختيار الإنسان المنتهى إلى ذاته ، ولا تفويض بملاحظة كون مبادئه الأخرى مستندة إليه تعالى ولا مانع من أن يكون ما ذكرنا هو المقصود بقوله عليه السلام : لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين » « 1 » . ويمكن تلخيص مجموع كلامه هذا في ثلاث مقدّمات : الأولى : أنّ الاختيار من لوازم وجود الإنسان وذاته ولا يحتاج إلى جعل مستقلّ عن جعل ذاته . الثانيّة : أنّ الاختيار غير الإرادة فإنّه صفة كامنة في النفس وموجود فيها بالفعل وعند تحقّق الفعل يصير بالفعل .
--> ( 1 ) بدائع الأفكار : ج 1 ، ص 204 - 205 .