الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
230
انوار الأصول
هو اللَّه تعالى فقط وأمّا العبد فهو يوجد الفعل عند إرادته . وكلامهم هذا لا يختصّ بالأفعال الاختياريّة للإنسان بل يأتي في جميع العلل والمعلولات ، فكلّ علّة تؤثّر في معلولها بإرادة اللَّه تعالى ، فالنار مثلًا لا تحرق بل إرادته محرقة مقارنة لإلقاء شيء في النار . وبعبارة أخرى : عادة اللَّه جرت على إيجاد كلّ معلول عند وجود علّته ، وبعبارة ثالثة : صدور الفعل من اللَّه يقترن دائماً بإرادة الإنسان ، فالإحراق هو فعل اللَّه مباشرةً ولكنّه يفترن بنحو الصدفة الدائمية بالنار . والمادّيون يقولون : أنّ فعل الإنسان معلول كسائر المعلولات في عالم الطبيعة يتحقّق في الخارج جبراً وقهراً من دون أن يكون اختياريّاً ، والاختيار مجرّد توهّم وخيال يرجع في الواقع إلى عدم تشخيص العلل الخفيّة المؤثّرة في وجود الفعل كالمحيط والوراثة والغريزة . وهذه مسألة لها جذور تاريخية قديمة بل هي من أقدم المسائل التاريخية ، تمتد إلى حيث بداية الإنسان ، فإنّ الإنسان من بدو وجوده كان يرى نفسه متردّداً بين الأمرين ، فمن جانب كان يرى عدّة من العوامل الخارجيّة تؤثّر في أفعاله وإرادته ، ومن جانب أخرى يرى فرقاً بينه وبين الحجر الذي يسقط من الفوق على الأرض ، فقال قوم بالاختيار ، وقال قوم بالجبر . استدلّ الطائفة الأولى من الجبريين على مذهبهم بوجوه : الوجه الأوّل : أنّه لا شكّ في أنّ اللَّه تعالى مريد ، وإرادته نافذة في كلّ الأشياء ، ولا حدّ لإرادته ، ولا يوجد شيء في عالم الوجود من دون إرادته ، ومن جملة الأشياء جميع أفعال العباد ، فهي أيضاً تحت نفوذ إرادته ، وإلّا يلزم تخلّف إرادته عن مراده أو خروج أفعال العباد عن سلطانه ، فإذا تعلّقت إرادته بعصيان العبد أو اطاعته لا يمكن للعبد التخلّف عنه فإنّه إذا أراد اللَّه شيئاً فإنّما يقول له كن فيكون ، ولا يقال أنّ هذه إرادة تشريعيّة له ، بل إرادته التكوينيّة نافذة في كلّ شيء ومحيطة على كلّ شيء ولا يوجد شيء في هذا العالم إلّا بهذه الإرادة . هذا ملخّص كلامهم في الدليل الأوّل الذي يمكن تسميته باسم توحيد الإرادة وشمولها . والجواب عنه : أنّا ننكر نفوذ إرادته تعالى في جميع الأشياء ، بل نقول أنّ من الأشياء التي