الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
184
انوار الأصول
الغائب فيها بالشمس وراء السحاب التي لا تؤثّر في الأشياء من جهة الظاهر والعيان بل تؤثّر من ناحية الباطن والمعنى ، ومنها : ما يشير إلى ارتباط قلوب المؤمنين بقلوب النبي صلى الله عليه وآله والأئمّة الهادين من بعده فتحزن بحزنهم وتفرح بفرحهم « 1 » ، ويدلّ عليه قوله تعالى : « هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ » « 2 » حيث إنّها تدلّ على إخراج الملائكة المؤمنين من الظلمات إلى النور من طريق المعنى والباطن ولا إشكال في أنّ الأئمّة مختلف الملائكة ، وهم أولى بذلك من الملائكة ، وأيضاً قوله تعالى : « وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا » « 3 » لأنّ إطلاقها يشمل الهداية التشريعيّة والتكوينيّة معاً وإلّا فمجرّد الهداية التشريعيّة من آثار النبوّة لا الإمامة ، ولا يخفى أنّ نفوذ الإمام عليه السلام في نفوس المؤمنين وولايته على قلوبهم شأن من شؤون الولاية التكوينيّة . ويظهر ممّا ذكرنا أمور : الأوّل : أنّ الإمامة عهد اللَّه إلى خلقه ، لا انتصاب ولا انتخاب فيها من ناحية العباد ، كما يدلّ عليه نسبته تعالى إيّاها إلى نفسه في قوله تعالى : « إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً » . الثاني : إنّها تحتاج إلى المعرفة والعلم ، كما يدلّ عليه قوله تعالى : « وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ » « 4 » وتحتاج من ناحية العمل إلى جهد وسيع وتوفيق ونجاح في الابتلاءات والامتحانات الإلهيّة ، كما يدلّ عليه قوله تعالى : « وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ » « 5 » . الثالث : أنّها مرتبة لا يعرفها ولا يعلمها إلّا اللَّه ، فهو يعلم حيث يجعل رسالته . الرابع : أنّ الظالم ليس لائقاً بهذا المقام ولو سبق منه الظلم في زمن بعيد من الأزمنة السابقة لعلوّ شأن الإمامة وعظمة مقام الإمام . إذا عرفت هذا فاعلم أنّه ذكر صاحب الكفاية في مقام الجواب عن الاستدلال بقوله
--> ( 1 ) راجع بحار الأنوار : ج 26 ، ص 140 ح 11 و 12 . ( 2 ) سورة الأحزاب : الآية 43 . ( 3 ) سورة الأنبياء : الآية 73 . ( 4 ) سورة الأنعام : الآية 75 . ( 5 ) سورة البقرة : الآية 125 .