الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
10
انوار الأصول
الرابعة لخارج الأصول ، استخرت اللَّه بكتابه الكريم فجاءت هذه الآية : « وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ » « 1 » فتفأّلت بالخير ، وحضرت في محضره الشريف فوجدت صدق التفؤّل ، فكان درسه مذهباً للحَزَن وحالّاً للعُقَد ، وذلك لتوفّر بعض الشرائط والخصوصيّات فيه : منها : تحرّر فكري وأصالة في مجال البحث والنقد : بحيث يشاهد بوضوح عدم انجذاب عقربة الفكر إلى مدرسة خاصّة من المدارس الموجودة في محافل دروس مرحلة الخارج . والإنصاف أنّ هذه الدرجة من الحرّية والاعتماد على النفس يلعب دوراً أساسيّاً في تربية التلميذ ، وتكوين شخصيته العمليّة ، وقوّة اعتماده على نفسه في البحث والدراسة بعد ما أراد بخروجه من مرحلة السطح إلى مرحلة الخارج أن يقوم على قدميه ، وأن يُخرج نفسه من هيمنة أفكار الأعاظم وسطوتها مع احترامها والاهتمام بها . ومنها : السعي أن يعطى البحث - حدّ الإمكان - اتّجاهاً موضوعيّاً عمليّاً ، ويخرجه من إطار الافتراضات المدرسيّة ، ولعلّ هذا ممّا يلاحظ في مدرسة الشّيخ الأعظم الأنصاري رحمه الله في رسائله ، ومما يتميّز به مشربه الأصولي ومنهجه عن منهج المحقّق الخراساني رحمه الله في كفايته إلى درجة كبيرة . فشاهدت في كثير من المباحث عدم الاكتفاء ببيان كليّات المسألة ، وتركها في دائرة الفرض والتصوّر ، بل يستعرض أيضاً ما يعتمد عليه الفقيه في مقام العمل والاستنباط في الأبواب المختلفة من الفقه ( من الاستظهارات العرفيّة ، والارتكازات العقلائيّة ، وما يستظهر من روايات أهل بيت الوحي عليهم السلام وما فهم منها أصحابنا الإماميّة ( رضوان اللَّه عليهم ) بحسن سليقة ، واستقامة فكر . . . إلى أن تصل المسألة إلى موضع من التنقيح والاطمئنان . ومنها : سلاسة البيان وسهولته ، ممّا يخرج موضوع البحث من التعقيد المحيّر للفكر والعمق المتوهّم والابّهة الخيالية المخيّبة لأمل التلميذ في حركته العمليّة . بل إنّ سهولة بيانه ( دام ظلّه ) قد تصل إلى حدّ توجب تردّد التلميذ في بدء الأمر ، فيحتمل أو يظنّ أنّ للمسألة المطروحة عمقاً آخر ، وأنّه لم يؤدّ حقّها .
--> ( 1 ) سورة فاطر : الآية 34 .