الشيخ علي الغروي الإيرواني
217
الأصول في علم الأصول
ولعلّ هذا المقدار من الذمّ واللوم يوجّه على مرتكبي المعاصي في عالم الرؤيا ؛ لكشف ذلك عن أنّ الفاعل غير مكترث عن المعاصي في عالم اليقظة ، وإن كان في الملازمة تأمّلا . ودعوى أنّ الإتيان بمقطوع الحرمة هتك للمولى بما أنّه تجرّى عليه ، يدفعها أنّ ذلك من توهّم الهتك لا واقعه ، وكيف يهتك بما هو راض به . وأمّا الحرمة الشرعيّة فتحتاج إلى دليل ، ولم يدلّ عليها شيء من الأدلّة السمعيّة ، والدليل العقلي قد عرفت ما فيه . وربما يقال - في سند منع التحريم - : إنّ الفعل بعنوان مقطوع الحرمة خارج عن تحت الاختيار ؛ لأنّ القاطع غير ملتفت إلى قطعه فكيف يتّصف بالحرمة ؟ ! بل ربما يزاد على ذلك أنّ الفعل المتجرّى به بذاته خارج عن الاختيار من غير لحاظ عنوان خاصّ . نعم ، ذلك في بعض أقسام التجرّي لا جميع أقسامه ، وهو التجرّي الحاصل في موارد الشبهات الموضوعيّة ، كما إذا شرب خلّا بزعم أنّه خمر ؛ فإنّ القصد تعلّق بعنوان الخمر وليس ، والذي هو أيس - أعني عنوان الخلّ أو عنوان مطلق المائع - لم يتعلّق به القصد . ويردّ الأوّل ، أوّلا : منع عدم التفات القاطع إلى قطعه ، بل قطعه حاضر لديه ومشاهد عنده بذاته لا بقطع آخر ، وإنّما الأمور الخارجيّة تحضر بصورها في الذهن دون الأمور الذهنيّة . وثانيا : كفى في جواز الحكم على الشيء بعنوان التفات المكلّف إلى الحكم ولو بعنوان آخر ، ولا يلزم الالتفات إليه بعنوان الذي حكم عليه . مثلا إذا اعتقد المكلّف حرمة فعل بعنوان أنّه غناء ، وكان محرّما واقعا بعنوان التصنيف كان ذلك كافيا في ثبوت التحريم . كذلك المقام إذا اعتقد المكلّف حرمة مائع بعنوان أنّه خمر فبان أنّه محرّم بعنوان أنّه مقطوع الحرمة كفى ذلك في تنجزّ الحكم . والسرّ في ذلك هو أنّ اعتبار الالتفات إنّما هو لأجل حصول الانبعاث ، وهذا يحصل في موارد الاشتباه الموضوعي مع الإصابة في أصل اعتقاد الحكم . فللمولى أن يحرّم الفعل بعنوان إذا رأى أنّ العبد معتقد بالتحريم بعنوان آخر ، ولا يلزمه التنبيه على العنوان الواقعي . ويردّ الثاني : أنّ مناط اختياريّة الفعل كون الفعل صادرا عن مبدأ العلم والإرادة ، مقابل الاضطراري الصادر فيه الفعل لا عن هذا المبدأ . والعلم الباعث للعمل علمان : كبروي وصغروي ، فإذا علم بوجوب إكرام العالم ، ثمّ علم بأنّ هذا عالم ، حرّكه ذلك نحو العمل وكان