السيد محمد باقر الصدر
122
دروس في علم الأصول
يمتنع أن يكون هذا الاقتران في كل هذه المرات صدفة ، لان الصدفة لا تتكرر لهذه الدرجة ، وهذه الكبرى يعتبرها المنطق قضية عقلية أولية ولا يمكن في رأيه أن تكون ثابتة بالتجربة ، لأنها تشكل الكبرى لاثبات كل قضية تجريبية فكيف يعقل أن تكون هي بنفسها قضية تجريبية . وإذا دققنا النظر وجدنا ان الكبرى التي تعتمد عليها القضية المتواترة مردها إلى نفس الكبرى التي تعتمد عليها القضية التجريبية ، لان كذب المخبر يعني افتراض مصلحة شخصية معينة دعته إلى اخفاء الواقع ، وكذب العدد الكبير من المخبرين معناه افتراض ان مصلحة المخبر الأول في الاخفاء اقترنت صدفة بمصلحة المخبر الثاني في الاخفاء ، والمصلحتان معا اقترنتا صدفة بمصلحة المخبر الثالث في الشئ نفسه ، وهكذا على الرغم من اختلاف ظروفهم وأحوالهم فهذا يعني أيضا تكرر الصدفة مرات كثيرة . وعلى هذا الأساس أرجع المنطق الاستدلال على القضية التجريبية والقضية المتواترة إلى القياس المكون من المقدمتين المشار إليهما ، واعتقد بان القضية المستدلة ليست بأكبر من مقدماتها . ولكن الصحيح ان اليقين بالقضية التجريبية والمتواترة يقين موضوعي استقرائي ، وان الاعتقاد بها حصيلة تراكم القرائن الاحتمالية الكثيرة في مصب واحد ، فاخبار كل مخبر قرينة احتمالية ومن المحتمل بطلانها لامكان وجود مصلحة تدعو المخبر إلى الكذب ، وكل اقتران بين حادثتين قرينة احتمالية على العلية بينهما ، ومن المحتمل بطلانها - اي القرينة - لامكان افتراض وجود علة أخرى غير منظورة هي السبب في وجود الحادثة الثانية ، غير أنها اقترنت بالحادثة الأولى صدفة ، فإذا تكرر الخبر أو الاقتران تعددت القرائن الاحتمالية وازداد احتمال القضية المتواترة أو التجريبية وتناقص احتمال نقيضها حتى يصبح قريبا من الصفر جدا فيزول تلقائيا لضالته الشديدة ، ونفس الكبرى التي افترضها المنطق القديم ليست في الحقيقة الا قضية تجريبية أيضا ، ومن هنا نجد ان حصول اليقين بالقضية المتواترة