ابراهيم اسماعيل الشهركاني
487
المفيد في شرح أصول الفقه
المنهي عنه ، وإذا كان الأمر كذلك فالمنهي عنه باق على ما هو عليه من مصلحة بلا مزاحم لمصلحته ، فيمكن التقرب فيه إذا كان عبادة بقصد تلك المصلحة المفروضة فيه . وهذا ليس بشيء - وإن صدر من بعض أعاظم مشايخنا - لأن المدار في القرب والبعد في العبادة ليس على وجود المصلحة والمفسدة فقط ، فإنه من الواضح : أن المقصود من القرب والبعد من المولى : القرب والبعد المعنويان تشبيها بالقرب والبعد المكانيين ، وما لم يكن الشيء مرغوبا فيه للمولى فعلا لا يصلح للتقرب به إليه ؛ ومجرد وجود مصلحة فيه لا يوجب مرغوبيته له مع فرض نهيه وتبعيده . وبعبارة أخرى : لا وجه للتقرب إلى المولى بما أبعدنا عنه ، والمفروض أن النهي التبعي نهي مولوي ، وكونه تبعيا لا يخرجه عن كونه زجرا وتنفيرا وتبعيدا عن الفعل ؛ وإن كان التبعيد لمفسدة في غيره أو لفوات مصلحة الغير . نعم لو قلنا : بأن النهي عن الضد ليس نهيا مولويا بل هو نهي يقتضيه العقل الذي لا يستكشف منه حكم الشرع - كما اخترناه في المسألة - فإن هذا النهي العقلي لا يقتضي تبعيدا عن المولى إلا إذا كشف عن مفسدة مبغوضة للمولى . وهذا شيء آخر لا يقتضيه حكم العقل في نفسه . ( الثّاني ) : إن صحة العبادة والتقرب لا يتوقف على وجود الأمر الفعلي بها ، بل يكفي في التقرب بها إحراز محبوبيتها الذاتية للمولى ، وإن لم يكن هناك أمر فعلي بها لمانع . أما إذا قلنا : بأن عبادية العبادة لا تتحقق إلا إذا كانت مأمورا بها بأمر فعلي ، فلا تظهر هذه الثمرة أبدا ، لأنه قد تقدم إن الضد العبادي - سواء كان مندوبا أو واجبا أقل أهمية أو موسعا أو مخيرا - لا يكون مأمورا به فعلا لمكان المزاحمة بين الأمرين ، ومع عدم الأمر به لا يقع عبادة صحيحة وإن قلنا بعدم النهي عن الضد . والحق : هو الأوّل ، أي : إن عبادية العبادة لا تتوقف على تعلق الأمر بها فعلا ، بل إذا أحرز أنها محبوبة في نفسها للمولى مرغوبة لديه فإنه يصح التقرب بها إليه وإن لم يأمر بها فعلا لمانع ، لأنه - كما أشرنا إلى ذلك في مقدمة الواجب ص 462 - يكفي في عبادية الفعل ارتباطه بالمولى والإتيان به متقربا به إليه ؛ مع عدم ما يمنع من التعبد به من كون فعله تشريعا أو كونه منهيا عنه . ولا تتوقف عباديته على قصد