ابراهيم اسماعيل الشهركاني
382
المفيد في شرح أصول الفقه
العقل ، فلا بد أن يحكم بحكمهم بما هم عقلاء ؛ ولكن لا يجب أن يحكم بحكمهم بما هم عاطفيون . ولا نقول إن الشارع يتابع الناس في أحكامهم متابعة مطلقة . ( الخامس ) : ومن الأسباب : ( العادة عند الناس ) ، كاعتيادهم احترام القادم - مثلا - بالقيام له ، واحترام الضيف بالطعام ، فيحكمون لأجل ذلك بحسن القيام للقادم وإطعام الضيف . والعادات العامة كثيرة ومتنوعة ، فقد تكون العادة تختص بأهل بلد أو قطر أو أمة ، وقد تعم جميع الناس في جميع العصور أو في عصر . فتختلف لأجل ذلك القضايا التي يحكم بها بحسب العادة ، فتكون مشهورة عند القوم الذين لهم تلك العادة دون غيرهم . وكما يمدح الناس المحافظين على العادات العامة يذمون المستهينين بها ، سواء كانت العادة حسنة من ناحية عقلية أو عاطفية أو شرعية ، أو سيئة قبيحة من إحدى هذه النواحي ، فتراهم يذمون من يرسل لحيته إذا اعتادوا حلقها ويذمون الحليق إذا اعتادوا إرسالها ، وتراهم يذمون من يلبس غير المألوف عندهم لمجرد أنهم لم يعتادوا لبسه ، بل ربما يسخرون به أو يعدونه مارقا . وهذا الحسن والقبح أيضا ليسا عقليين ، بل ينبغي أن يسميا ( عاديين ) لأن منشأهما العادة . وتسمى القضايا فيهما في عرف المناطقة : ( العاديات ) ، ولذا لا يدخل أيضا هذا الحسن والقبح في محل النزاع . ولا نقول نحن - أيضا - بلزوم متابعة الشارع للناس في أحكامهم هذه ، لأنهم لم يحكموا فيها بما هم عقلاء بل بما هم معتادون ، أي : بدافع العادة . نعم بعض العادات قد تكون موضوعا لحكم الشارع ، مثل : حكمه بحرمة لباس الشهرة ، أي : اللباس غير المعتاد لبسه عند الناس . ولكن هذا الحكم لا لأجل المتابعة لحكم الناس ، بل لأن مخالفة الناس في زيهم على وجه يثير فيهم السخرية والاشمئزاز فيه مفسدة موجبة لحرمة هذا اللباس شرعا ، وهذا شيء آخر غير ما نحن فيه . * * * فتحصل من جميع ما ذكرنا - وقد أطلنا الكلام لغرض كشف الموضوع كشفا تاما - إنه ليس كل حسن وقبح بالمعنى الثّالث موضوعا للنزاع مع الأشاعرة ، بل خصوص ما كان سببه إدراك كمال الشيء أو نقصه على نحو كلي ، وما كان سببه