ابراهيم اسماعيل الشهركاني
372
المفيد في شرح أصول الفقه
وهذا المعنى من الحسن والقبح أيضا ليس للأشاعرة فيه نزاع ، بل هما عندهم بهذا المعنى عقليان ، أي : مما قد يدركه العقل من غير توقف على حكم الشرع . ومن توهم أن النزاع بين القوم في هذا المعنى فقد ارتكب شططا ولم يفهم كلامهم . ( ثالثا ) : أنهما يطلقان ويراد بهما المدح والذم ، ويقعان وصفا بهذا المعنى للأفعال الاختيارية فقط . ومعنى ذلك : أن الحسن ما استحق فاعله عليه المدح والثواب عند العقلاء كافة ، والقبيح ما استحق عليه فاعله الذم والعقاب عندهم كافة . وبعبارة أخرى : إن الحسن ما ينبغي فعله عند العقلاء ، أي : أن العقل الكلي يدرك أنه ينبغي فعله ، والقبيح ما ينبغي تركه عندهم ، أي : أن العقل عند الكل يدرك إنه لا ينبغي فعله أو ينبغي تركه . وهذا الإدراك للعقل هو معنى حكمه بالحسن والقبح ، وسيأتي توضيح هذه النقطة ، فإنها مهمة جدا في الباب . وهذا المعنى الثّالث هو موضوع النزاع ، فالأشاعرة أنكروا أن يكون للعقل إدراك وذلك من دون الشرع ، وخالفتهم العدلية فأعطوا للعقل هذا الحق من الإدراك . ( تنبيه ) : ومما يجب أن يعلم هنا : أن الفعل الواحد قد يكون حسنا أو قبيحا بجميع المعاني الثّلاثة ، كالتعلم والحلم والإحسان ، فإنها كمال للنفس ، وملائمة لها باعتبار ما لها من نفع ومصلحة ، ومما ينبغي أن يفعلها الإنسان عند العقلاء . وقد يكون الفعل حسنا بأحد المعاني قبيحا ، أوليس بحسن بالمعنى الآخر كالغناء - مثلا - فإنه حسن بمعنى الملاءمة للنفس ولذا يقولون عنه : أنه غذاء للروح ( 1 ) ، وليس حسنا بالمعنى الأوّل أو الثالث فإنه لا يدخل عند العقلاء بما هم عقلاء فيما ينبغي أن يفعل وليس كمالا للنفس ، وإن كان هو كمالا للصوت بما هو صوت فيدخل في المعنى الأوّل للحسن من هذه الجهة ، ومثله التدخين أو ما تعتاده النفس من المسكرات والمخدرات ، فإن هذه حسنة بمعنى الملاءمة فقط ، وليس كمالا للنفس ، ولا مما ينبغي فعلها عند العقلاء بما هم عقلاء . 2 - واقعية الحسن والقبح في معانيه ورأي الأشاعرة ( 2 ) : إن الحسن بالمعنى الأوّل أي : الكمال وكذا مقابله أي : القبح أمر واقعي خارجي ،