ابراهيم اسماعيل الشهركاني

306

المفيد في شرح أصول الفقه

يقتضيه الظهور أبدا حتى يثبت بأصالة العموم ، لا سيما أن المعلوم من طريقة صاحب الشريعة هو بيان العمومات مجردة عن قرائن التخصيص ، ويكشف المراد الواقعي منها بدليل منفصل ، حتى اشتهر القول بأنه : « ما من عام إلا وقد خص » ، كما سبق . وعليه : فلا دليل من أصالة العموم على أن الحكم واقعي حتى نلتجئ إلى الحمل على النسخ ، بل إرادة الحكم الواقعي من العام على ذلك الوجه يحتاج إلى مئونة بيان زائدة أكثر من ظهور العموم . ولأجل هذا قلنا : إن الحمل على التخصيص أقرب إلى الصواب من الحمل على النسخ ، وإن كان كل منهما ممكنا . ( الصورة الثالثة ) : إذا كانا معلومي التاريخ مع تقدم الخاص ، فهذه أيضا على صورتين : 1 - أن يرد العام قبل وقت العمل بالخاص ، فلا ينبغي الإشكال في كون الخاص مخصصا . 2 - أن يرد العام بعد وقت العمل بالخاص ، فلا مجال لتوهم وجوب الحمل على النسخ من جهة قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة ، لأنه من باب تقديم البيان قبل وقت الحاجة ، ولا قبح فيه أصلا . ومع ذلك قيل : بلزوم الحمل على النسخ ، ولعل نظر هذا القائل إلى أن أصالة العموم جارية ، ولا مانع منها إلا احتمال أن يكون الخاص المتقدم مخصصا وقرينة على العام ، ولكن أيضا يحتمل أن يكون منسوخا بالعام ، فلا يحرز أنه من باب القرينة . ولا شك : أن الخاص المنفصل إنما يقدم على العام لأنه أقوى الحجتين وقرينة عليه . ومع هذا الاحتمال ( 1 ) لا يكون الخاص المنفصل أقوى في الظهور من العام . ( قلت ) : الأصوب أن يحمل على التخصيص كالصورة السابقة ، لما تقدم من إن العام لا يدل على أكثر من أن المراد جدي ، ولا يدل في نفسه على أن الحكم واقعي تابع للمصالح الواقعية الثّابتة للأشياء بعناوينها الأولية . وإنما يكون العام ناسخا للخاص إذا كانت دلالته على هذا النحو ، وإلا فالعمومات الواردة في الشريعة على الأغلب ليست كذلك ( 2 ) . وأما احتمال النسخ ، فلا يقلل من ظهور الخاص في نفسه