ابراهيم اسماعيل الشهركاني
290
المفيد في شرح أصول الفقه
6 - لا يجوز العمل بالعام قبل الفحص عن المخصص ( 1 ) فإذا جاء بعد انعقاد هذا الظهور في العموم مخصص منفصل لفظي ، كما لو قال في المثال المتقدم : ( لا تكرم الأعداء من جيراني ) ، فإن هذا المخصص لا شك في إنه لا يكون ظاهرا في أمرين : 1 - أن صفة العداوة منافية لوجوب الإكرام . 2 - إن في الجيران من هو على صفة العداوة فعلا أو يتوقع منه أن يكون عدوا ، وإلا لو لم يوجد العدو ولا يتوقع فيهم لكان هذا التخصيص لغوا وعبثا لا يصدر من الحكيم . وعلى ذلك : فيكون المخصص اللفظي مزاحما للعام في الظهورين معا ، فيسقط عن الحجية فيهما معا . فإذا شككنا في فرد من الجيران أنه عدو أم لا ، فلا مجال فيه للتمسك بالعام في إلحاقه بحكمه ، لسقوط العام عن حجيته في شموله له ، إذ يكون هذا الفرد مرددا بين دخوله فيما أصبح العام حجة فيه وبين دخوله فيما كان الخاص حجة فيه . أما لو كان هناك مخصص لبي ، كما لو حكم العقل - مثلا - بأن العداوة تنافي وجوب الإكرام ، فإن هذا الحكم من العقل لا يتوقف على أن يكون هناك أعداء بالفعل أو متوقعون ، بل العقل يحكم بهذا الحكم سواء كان هناك أعداء أم لم يكونوا أبدا ، إذ لا مجال للقول : بأنه لو لم يكن هناك أعداء لكان حكم العقل لغوا وعبثا ، كما هو واضح بأدنى تأمل والتفات . وعليه ، فالحكم العقلي هذا لا يزاحم الظهور الثّاني العام ، أعني : ظهوره في عدم المنافي ، فظهوره الثّاني هذا يبقى بلا مزاحم . فإذا شككنا في فرد من الجيران أنه عدو أم لا فلا مانع من التمسك بالعام في إدخاله في حكمه ، لأنه لا يكون هذا الفرد مرددا بين دخوله في هذه الحجة أو هذه الحجة ، إذ المخصص اللبي - حسب الفرض - لا يقتضي وجود المنافي وليس حجة فيه ، أما العام فهو حجة فيه بلا مزاحم . فظهر من هذا البيان : أن الفرق عظيم بين المخصص اللبي والمخصص اللفظي من هذه الناحية ، لأنه في المخصص اللبي يبقى العام حجة في ظهوره الثّاني من دون أن يكون المختص متعرضا له ، ولا يسقط العام عن الحجية في ظهوره إلا بمقدار المزاحمة لا أكثر . وهذا بخلاف المخصص اللفظي فإنه ظاهر في الأمرين معا كما قدمناه ، فيكون مزاحما للعام فيهما معا . ولا فرق في المخصص اللبي بين أن يكون ضروريا أو يكون غير ضروري ، ولا بين أن يكون كاشفا عن تقييد موضوع العام أو كاشفا عن ملاك الحكم ، فإنه في جميع هذه الصور لا يقتضي وجود المنافي . وبهذا التحرير للمسألة يتجلى مرام الشّيخ الأعظم أنه الأولى بالاعتماد . ( المصنّف ) . ( 1 ) لا يجوز العمل بالعام قبل الفحص عن المخصص : النكتة من الفحص هو : العلم مسبقا بأن المولى من دأبه وشأنه أن يخصص في العموم ، ويقيد في الإطلاق ، ولذلك وجب الفحص . قد يشكل : لما ذا لم يبين مراده مباشرة من كلامه ؟ نقول : لعل من المصلحة أن يصب الحكم أوّلا على العموم ثم يخصصه . وقد يقال : لا محل لهذا الإشكال فإن إلقاء العمومات ثم طروء التخصيص عليها ممّا قامت عليه سيرة العقلاء .