محمد الريشهري

27

العلم والحكمة في الكتاب والسنة

إذا فقد العلم جوهره واتجاهه الحقيقي ، فإنه يصبح كالدليل الذي يسوق المرء إلى هاوية الضلال ، بدل أن يهديه إلى سواء السبيل . وهنا كلما تقدم العلم ، كان خطره أكبر على المجتمع الإنساني . الخطر الكبير الذي يهدد المجتمع البشري اليوم هو أن العلم قد ارتقى كثيرا ، بيد أنه فقد جوهره وخاصيته واتجاهه السديد ، واستخدم باتجاه انحطاط الإنسانية وسقوطها . ويمكن أن ندرك بتأمل يسير ، الآفات التي فرضها العلم على المجتمع البشري في واقعنا المعاصر ، ونفهم ماذا تجرع الإنسان من ويلات حين قبضت القوى الكبرى على سلاح العلم ، ونعرف كيف تعامل الناهبون - الذين استغلوا العلم لسلب الإنسان ماديا ومعنويا - بقسوة ، ولا يرحمون أحدا . قال برشت " الإنسان المعاصر متنفر من العلم ، لأن العلم هو الذي أوجد الفاشية وفرضها على البشرية ، والعلم هو الذي وسع رقعة الجوع لأول مرة ، بحيث غدا اثنان - من كل ثلاثة في العالم - جياعا ( 1 ) . هل يمكن أن نسمي وسائل النهب ، والجوع ، والقتل ، والفساد علما ؟ ! أهو علم ونور هذا الذي يسوق المجتمع شطر الفساد والضياع ، أم هو الجهل والظلمة ؟ هنا يستبين معنى الكلام النبوي الدقيق ، إذ قال ( صلى الله عليه وآله ) : " إن من العلم جهلا " ( 2 ) . يثار هنا سؤال يقول : كيف يصير العلم جهلا ؟ ألا يعني هذا تناقضا في الكلام ؟ بيد أننا إذا تأملنا فيه تبين لنا أنه ليس تناقضا في الكلام ، بل هو كلام دقيق ذو مغزى .

--> ( 1 ) تاريخ وشناخت أديان : 34 . ( 2 ) راجع ص 448 العالم بلا عمل جاهل .