الشيخ محمد علي الأراكي
94
أصول الفقه
ومن جملة تلك الموارد أي موارد ثبوت الأصل الوارد على أصل البراءة ، المال المعلوم كونه ملك الغير ، والمحتمل رضى مالكه بالتصرّف ، فإنّه أيضا موضوع مشكوك الحليّة والحرمة ، ولكن هنا استصحاب حاكم على البراءة فيه وهو استصحاب عدم طيب نفس مالكه . لا يقال : ليس لهذا الاستصحاب حالة سابقة ؛ إذ لم يكن هذا لمال في السابق مقطوعا عدم رضى مالكه بالتصرّف فيه حتى يستصحب في زمان الشكّ . فإنّه يقال : فرق بين اعتبار الرضى شرطا في حليّة التصرّف بنحو « كان » الناقصة ، وبين اعتباره بنحو « كان » التامّة ، ففي الأوّل لا بدّ من إحراز الموضوع المفروغ الوجود لزمان اليقين والشكّ معا ، فإذا فرض الشكّ في الرضى في جميع أزمنة الموضوع لم يكن في البين حالة سابقة وجوديّة ولا عدميّة . وأمّا في الثاني فلا نحتاج إلى إحراز الموضوع أصلا ، بل الملاك ثبوت رضى المالك في هذه المال للشخص وعدم هذا المعنى ، فمهما علم هذا المعنى فهو ، وإلّا فنستصحب عدمه ؛ إذ هو في الوجود يحتاج إلى وجود أشياء من المال والمالك والاذن والمأذون له ، فبعدم كلّ منها ينعدم هذا المعنى ، فلا محالة تكون حالته السابقة عدما ، لكونه معلوما في حال انعدام هذه الأشياء في الأزل ، فلا مانع من استصحابه ثمّ الحكم بحرمة التصرّف . وأمّا الطريق لإثبات الوجه الثاني وهو كون الرضى مأخوذا على وجه مفاد « كان » التامّة فهو أن الكلام المشتمل على المستثنى والمستثنى منه ظاهر لدى العرف في كون الملحوظ في طرف المستثنى نفس الوصف بلا دخل نسبته إلى الموضوع المفروض الوجود ، فقوله : « لا يحلّ مال امرئ إلّا بطيب نفسه » ظاهر في كون تمام النظر واللحاظ إلى نفس وجود الطيب في المال من المالك بلا ملاحظة المال والمالك مفروضي الوجود ، وإسناد الطيب إليهما على نحو القضيّة المبتدئة مثل قولك : كلّ مال طاب نفس مالكه فهو حلال ، هذا تمام الكلام في الشكّ في أصل التكليف وجوبا كان أم تحريما ، حكميّا أم موضوعيّا .