الشيخ محمد علي الأراكي

79

أصول الفقه

نعم يكون هذا الاستصحاب نافعا للتمسّك بالحديث على قول من لا يرى استصحاب العدم الأزلي جاريا مثل شيخنا المرتضى ، فإنّه قائل بأنّ مورد الاستصحاب لا بدّ أن يكون شيئا قابلا للجعل بالاستصحاب ، فلو كان ممّا لا يقبل الجعل فلا يجري فيه الاستصحاب إلّا بواسطة ما يقبله ، فالعدم الأزلي لا يصير مجرى للاستصحاب إلّا أن يكون موضوعا لأثر شرعي ، لأنّ العدم ليس قابلا للجعل ، وإنّما هو مسبّب عن عدم الجعل ، فعلى هذا يستصحب عدم ورود النهي الثابت في الأزل فيرتّب عليه أثره الشرعي الذي رتّب عليه بمقتضى هذا الحديث وهو الإباحة والإطلاق . وأمّا على ما نختاره كما يأتي في محلّه إن شاء اللّه تعالى من جريان الاستصحابات العدميّة فلا يكون هذا الاستصحاب نافعا بحال الحديث ، لكونه مغنيا عن التمسّك به ، وبالجملة ، فعلى المختار لا يكون التمسّك بالحديث بناء على المعنى المذكور صحيحا ، لأنّه مع قطع النظر عن الاستصحاب يكون من باب التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة ، ومع ملاحظة جريانه فلا حاجة إلى التمسّك بالحديث . هذا تمام الكلام في الأدلّة اللفظيّة التي أقيم على البراءة ، وقد عرفت أنّ أقواها

--> المتعارف ، لا من مثل النقل من صدر إمام إلى صدر إمام آخر ، فيكون المعنى أنّ النهى المجعول الواقعي الغير الوارد على نحو ورود سائر الأحكام لا يضرّ مخالفته ، فقيد عدم الورود يحرز بالاستصحاب . نعم هذا لا ينفع في بعض الموارد وهو ما إذا ورد نهى وإباحة ولم يعلم المتقدّم من المتأخّر ، ولا يمكن التّمسك بعدم القول بالفصل بمعنى أنّه بعد ما ثبت في بعض موارد الجهل بورود النهى الحكم بالحليّة والإطلاق يثبت في سائرها بعدم الفصل ، وجه عدم الإمكان أنّه إنّما يمكن لو كان المثبت للحلّية في البعض دليلا ، لا ما إذا كان أصلا كما هو المفروض ؛ إذ ليس في البين إلّا مجرّد ملازمة بين الحليّة في الموردين ، ولا يثبت الملازم بالأصل إلّا إذا كانت الملازمة سارية إلى مرتبة الظاهر ، فإنّ الملازم حينئذ يثبت بالأصل أيضا ، كما يدّعى في الماء المتمّم والمتمّم . منه قدّس سرّه الشريف .