الشيخ محمد علي الأراكي
657
أصول الفقه
وأمّا بلا جعل بدل أصلا للواقع في مرحلة الظاهر فالعقل لا يجوّز المخالفة الاحتماليّة حينئذ ، ووجه الاكتفاء في الأوّل أنّه جازم بإتيان الواقع إمّا نفسا ، وإمّا بدلا ، وأمّا بدون ذلك فلا جزم بالامتثال بأحد النحوين ، نعم يحتمل الامتثال ، والامتثال الاحتمالي لا يجوّزه العقل ، وعلى هذا فحيث ليس في أدلّة الترخيص في المشكوكات عين ولا أثر من جعل البدل ، فلا يمكن القول بشمولها للمقام . قلت : لم يحدث للمقام شيء زائد على سائر المقامات التي تحكمون بورود دليل الترخيص الجائي من غير ناحية الشكّ في أطراف العلم ، مثل دليل رفع الاضطرار ورفع الحرج إذا كانا شرعيّين ، فكما تقولون بشمول تلك الأدلّة لمورد العلم وتبعضون في الاحتياط فكذلك نقول في أدلّة المشكوكات والحلّ في الكلّ هو الكشف إنّا عن جعل البدل وجعل الطرف الآخر حراما ظاهريّا وممنوعا . إن قلت : ما ذكرت حقّ لو كان الترخيص حكما فعليّا ، وأمّا إذا كانا حيثيّتيّا فمعناه أنّك لا تعاقب لأجل أنّك ارتكبت أو تركت المشكوك ، وهذا لا ينافي ثبوت العقاب من حيث ارتكاب أو ترك المعلوم الإجمالي ، وعلى هذا ففي كلّ مورد كان العلم الإجمالي موجبا للاحتياط بحسب العقل ولم يكن في أحد الأطراف أصل لخروجه عن محلّ الابتلاء أو غير ذلك ، لا يمكن لنا إجراء الأصل في الطرف الخالي عن المزاحم ؛ لأنّه لا يفيد إلّا حكما حيثيتيّا ، وهو غير نافع ، فيبقي اقتضاء العلم بحاله . قلت : كونه حكما حيثيتيّا خلاف الظاهر ، فكما أنّه قبل العلم حكم فعليّ ، فكذلك بعده ، ويشهد له فهم العلماء منه ذلك ، فهم بين مرخّص في جميع الأطراف تدريجا ، وبين مرخّص في أحد لا بعينه تخييرا قائلا بجعل البدل ، ويشهد له أيضا قوله عليه السلام في بعض الأخبار الواردة في الجبن ونحوه ممّا يعلم إجمالا بوجود الحرام فيها : « كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال » وقد مضى في أصل البراءة . هذا غاية ما يمكن أن يقال ، ولكنّه مع ذلك لا يخلو عن الخدشة ، وذلك لأنّ الأحد الذي قلنا بدخوله تحت العامّ إنّما هو أحد مندكّ في المعيّنات والحكم عليه