الشيخ محمد علي الأراكي
655
أصول الفقه
لا يحتمل مع العلم التفصيلي أن يكون غرض آخر أهمّ من امتثال المعلوم ؛ إذ لو كان لكان جعل ذلك الحكم لغوا ، وأمّا مع العلم الإجمالي فلا يحتمل أيضا حدوث غرض أهمّ مزاحم لحرمة المخالفة القطعيّة للزوم اللغويّة ، ولكن يحتمل حدوث غرض أقوى وأهمّ من إدراك الموافقة القطعيّة ، وحيث إنّ هذا الغرض يعلم عدم مربوطيته بالغرض المعلوم الإجمالي فهو كالاضطرار إلى واحد لا معيّن ، لا إلى الواحد المعيّن ، فلا يوجب التقييد في الواقع ، بل هو على ما عليه من المطلوبيّة التامّة ، والمكلّف قادر على امتثاله ، غاية الأمر جاهل به تفصيلا ، وهو غير مناف مع قدرته واختياره المصحّح لتكليفه . ولا يصحّ القول بأنّ التكليف حينئذ مشروط بعدم اختياره دفع ذلك المحذور الأقوى في الواقع وفي علم اللّه في ضمن الطرف المشتمل على الواقع ، وأمّا مع ذلك فلا تكليف ؛ إذ الفرض أنّه مع اختياره ذلك أيضا يفعله باختياره لا خارجا عن قدرته واختياره . وبالجملة ، يصير مع وجود هذا المزاحم حال المقام حال الحرج المخلّ بالنظام اللازم من الموافقة القطعيّة ، فكما أنّ العقل يستقلّ حينئذ برفع اليد عن الموافقة القطعيّة مع ثبوت التكليف الواقعي على ما هو عليه من المطلوبيّة التامّة ، ولهذا لا ينقلب العلم احتمالا ، كذلك مع وجود هذا الغرض الذي لا يدركه عقولنا . إن قلت : نعم لكن الفرق أنّ الحاكم بالترخيص هناك هو العقل ، ولا يلزم من حكمه نقص وكسر في ناحية حكم الآمر ، وأمّا هنا فالآمر والمرخّص واحد وهو الشارع ، فحينئذ فلا محالة يرفع اليد عن أمره عند وجود متعلّقة في الطرف المرخّص فيه ؛ إذ لا يمكن طلب الواقع مطلقا بنحو الإيجاب الكلّي مع الإذن في مخالفته في بعض التقادير ، ضرورة مناقضة الإيجاب الكلّي مع السلب الجزئي ، وحينئذ فيلزم من الترخيص ارتفاع العلم الإجمالي ، فلا مقتضى للاحتياط بالنسبة إلى الطرف الآخر الغير المرخّص فيه أيضا .