الشيخ محمد علي الأراكي

627

أصول الفقه

المتحقّق في كلّ آن إلّا جزئه ، ثمّ ينعدم ويتحقّق جزئه الآخر ، كأنّ مجموعه من البداءة إلى النهاية قد تحقّق أوّل جزء منه ، ولهذا يقال : تحقّق الليل بمحض الغروب ، وفي الفارسيّة : « شب شد » ومع ذلك يطلقون النصف ، فيقولون : انتصف الليل . فالتعبير بالانتصاف بملاحظة الواقع ، والتعبير بالتحقّق مبنيّ على المسامحة التي ذكرنا ، فباعتبار هذه المسامحة يصحّ إطلاق البقاء وإن كان ليس مظروفا للزمان ، بل هو نفسه الزمان ، فإنّه من قبيل : مضى الزمان ، وعلم اللّه ، فليس في حاقّ البقاء والمضيّ عناية الزمان ، ولهذا صحّ إطلاقهما بلا عناية على نفس الزمان وعلى المجرّدات في المثالين . وكيف كان ففي هذا القسم لا يتحقّق أركان الاستصحاب إن اعتبرنا في الاستصحاب تعلّق الشك بعنوان البقاء كما اعتبروه في تعريفه إلّا على المسامحة المذكورة ، وإن لم نعتبره كما هو الحقّ فالوحدة الشخصيّة هنا متحقّقة بالدقّة العقليّة بلا حاجة إلى المسامحة أصلا ، ولكنّ تحقّق اليقين والشكّ بهذا الأمر المحدود محتاج إلى المسامحة ، وإلّا فلا يفرض اليقين به إلّا بعد تحقّق جزئه الأخير ، ومعه نقطع بارتفاعه ولا نشكّ في بقائه . والوجهان كما ترى مشتركان في الجريان بين الزمان والزماني أعني الأمور التدريجيّة غير الزمان مثل التكلّم والمشي والحركة ونبع الماء وسيلان دم الحيض ونحوها ، والمقيّد بأحد الأمرين كما لو رتّب أثر على قيام زيد في النهار فشككنا في النهار أو في قيامه . فإنّ الوجهين جاريان في التكلّم وأمثاله كما في الزمان ، غاية الأمر نقول في الزمان : إنّ التوسّط عبارة عن كون الشمس بين المشرق والمغرب فوق الأرض في النهار ، وكونها بينهما تحتها في الليل ، والقطعية عبارة عن حركتها المحدودة بحدود المسافة ، وفي التكلّم مثلا نقول : التوسّط عبارة عن كون الكلام والأصوات والحروف بين المبدا والمنتهى ، والقطع عبارة عن الأصوات المحدودة المتّصلة المعدودة شيئا واحدا ، وهكذا قياس البواقي .