الشيخ محمد علي الأراكي
623
أصول الفقه
العصير إذا غلى ، يحرّمه تنجيزا لا محالة بعد حصول الغليان خارجا ، والشكّ في الثاني مسبّب عن الأوّل ، إلّا أنّ مطلق تسبّب أحد الشكّين عن الآخر لا يكون ملاكا للحكومة ، بل الملاك لها أن يكون أحد الأصلين دليلا على حكم الشرع في مورد الآخر مع قطع النظر عن حال شكّ نفسه ، حتّى يكون طريقا رافعا للتحيّر عن الواقع فيه ، حتّى يرتفع عنه حكم الأصل بنحو التخصّص ، ولا كذلك العكس ، بمعنى أنّا لو قدّمنا الأصل في المورد الآخر لم يكن رافعا لتحيّرنا عن الواقع وطريقا شرعيّا إلى الواقع بالنسبة إلى مورد الأصل الأوّل ، بل تحيّرنا باق ، فلو ارتفع الأصل عنه كان تخصيصا . ولا إشكال في عدم جريان هذا الملاك في هذا المقام ؛ فإنّ الحكم الفعلي وإن كان مرتّبا على التعليقي إلّا أنّ الحاكم بترتّبه عليه ليس هو الشرع ، فالحكم المنسوب إلى الشرع حكم واحد وهو الحكم التعليقي في موضوع الشكّ فيه ، وليس هنا حكم آخر من الشارع بأنّه متى تحقّق في موضوع حكم معلّق فهو فعليّ عند حصول المعلّق عليه ، بل هو صرف حكم عقلي في كلّ حكم في موضوعه واقعا كان أم شكّا . فالحاصل أنّ الشارع حكم على الشاك في بقاء الحرمة المعلّقة بالإبقاء لها ، والعقل أيضا حكم بعد هذا الحكم في موضوعه الذي هو الشكّ بصيرورتها فعليّة ، فالحكم بالفعليّة ناش من العقل وفي موضوع الشكّ ، وقد فرضنا أنّه يلزم في الحكومة وجود الحكم من الشارع وناظرا إلى مرحلة الواقع بالنسبة إلى مورد الشكّ المسبّب . وإن كان صرف حكم العقل في مرحلة الشكّ والظاهر كافيا لرفع موضوع الأصل عن الجانب الآخر ، لكان الأصل الجاري في جانب الحكم التنجيزى أيضا كافيا لرفع الموضوع بالنسبة إلى الاستصحاب التعليقي ، فإنّ التضادّ ثابت بين الإباحة الفعليّة وعدم علّة ضدّها ، سواء في الواقع أم الظاهر .