الشيخ محمد علي الأراكي
449
أصول الفقه
فلو فرض أنّ العبد بعد علمه بأمر المولى علم أنّ أمره هذا ليس على حدّ الشدّة والتأكّد ، وإنّما هو واقف على أدنى مرتبة الوجوب ، وأنّ العقاب عليه من أقلّ أفراد العقاب ، وكان الواقع خلاف ما علمه بأن كان بالغا أعلى مرتبة التأكّد وعقابه أشدّ أفراد النكال والعذاب فعاقبة المولى بتلك المرتبة الشديدة ، ما كان ملوما وفاعلا للعقاب إلّا بعد إتمام الحجّة . وحينئذ فلو كان هذه المنجزيّة للأمر ثابتة في حال الابتلاء لزم مع العلم بالمساواة ووجود الأهميّة واقعا صحّة عقوبة المرتبة الشديدة لو اختار في العمل غيرها ، مع أنّا نقطع بخلاف ذلك ، وليس إلّا لأنّ تلك المنجزيّة منوطة بمحفوظيّة محرّكية الأمر نحو متعلّقة على التعيين ، وأمّا عند سقوطه عن ذلك بواسطة معارضة المزاحم فيسقط عن تلك المنجزيّة ، فيكون المنجّز في حال العلم بالأهميّة هو العلم بالغرض الخالي عن اقتضاء الأمر ، فيئول الأمر لا محالة عند احتمال الأهميّة إلى البراءة كما عرفت . هذا تمام الكلام في تأسيس الأصل على كلا المذاقين من الطريقيّة والسببيّة ، وحيث إنّ المختار هو الأوّل ، فالأصل هو التعيين . [ الأدلّة التي أقاموها على الترجيح ] وأمّا الأدلّة التي أقاموها على الترجيح فأمور نذكر بعضها : منها : الإجماع بأقسامه من القولي والعملي المحقّق والمنقول . وفيه أنّ الإجماع في مثل هذه المسألة التي يكون للعقل والنقل فيه سبيل ، ويحتمل استناد المجمعين إلى تلك الوجوه العقليّة أو النقليّة ، فهو ليس بدليل آخر في المسألة وراء تلك الوجوه ، بل لا بدّ من النظر في تلك الوجوه ، فإن لم نرها تامّة فلا محذور في المصير إلى الخلاف ؛ لسقوط هذا الإجماع عن الكشف ، هذا على تقدير تسليم محصليّة الإجماع القولي ، فكيف الحال لو كان منقولا أو عمليّا ؛ فانّ الترجيح العملي لا يلازم الترجيح القولي . ومنها : أنّ العدول من الراجح إلى المرجوح قبيح عقلا ، بل ممتنع قطعا ، فيجب العمل بالراجح لئلّا يلزم ترجيح المرجوح على الراجح .