الشيخ محمد علي الأراكي

39

أصول الفقه

الواقعي يكون الترديد والإجمال باقيين في النفس ؛ لعدم العلم بوجود المجعول في الرتبة الأولى في هذا أو في هذا أو في ذاك . فهذان وجهان يقال بهما في موارد الطرق الشرعيّة في قبال العلم الإجمالي لعدم وجوب الاحتياط في غير تلك الموارد من الأطراف ، والوجه الأوّل ليس راجعا إلى الانحلال الحقيقي ، بل مرجعه إلى إلزام المولى بما التزم ، فإنّ معنى الحجّة أن يصحّ احتجاج العبد به على المولى ، كما يصحّ احتجاج المولى به على العبد ، فكما يصحّ أن يحتجّ المولى على العبد ويقول له : لم أكلت لحم الغنم الذي أخبرك البيّنة بموطوئيته ؟ كذلك يصحّ أن يحتجّ العبد على المولى ويقول له : إنّ الواجب علىّ لم يكن إلّا اجتناب لحم الغنم الموطوءة ، واجتنابي عن هذا الذي أخبر البيّنة بموطوئيته أيضا اجتناب عن الغنم الموطوءة ، فالمولى يصير ملزما في الثاني كما يصير العبد ملزما في الأوّل . فهذا نظير ما لو ضرب السلطان السكّة على الجلود ، وجعل الجلد المسكوك في محلّ الليرة ، فإنّ السلطان ملزم بأخذه من الرعيّة محتسبا له عوض الليرة ، والرعيّة أيضا ملزمون بأخذه من السلطان عوضا لليرة ، ولو رجع السلطان عن هذا الجعل ولم يأخذ الجلد في مقام الليرة رجع الرعيّة أيضا ولم يأخذوا منه ، وبالجملة ، فهذا الوجه ليس انحلالا في الحقيقة ، وإنّما هو كون العمل بالطريق قائما مقام العمل الذي يكون على العهدة . وأمّا الوجه الثاني فهو انحلال حقيقي ، إذ بعد إلغاء الخصوصيّات التي لا دخل لها في موضوع حكم العقل أصلا ينحلّ العلم الإجمالي قطعا ، فإنّ موضوع حكم العقل هو الواجب الإلهي بما هو واجب ، والمحرّم الإلهي بما هو محرّم ، لا بما هو واجب أو حرام واقعي أو ظاهري وإنّما الواقعي والظاهري اصطلاح أحدثناه لتصوير الجمع بين هذين القسمين من الحكم ، وحينئذ فإذا علم إجمالا بواجبات ومحرّمات ثمّ قام الطرق الشرعيّة على تعيين جملة منها ، قلنا : هذا واجب وهذا واجب وهذا واجب وهكذا ، وهذا حرام وهذا حرام وهذا حرام وهكذا ، فهذه