الشيخ محمد علي الأراكي
258
أصول الفقه
الحرجين نعلم بأنّ المقتضي وهو منّة الشرع في كلا الفردين موجود تامّ ، وعدم إمكان الجمع بينهما في شمول العموم إنّما هو من جهة عجز المكلّف ، وحينئذ فمجمل الكلام في المقام أنّ الضررين أو الحرجين أو الضرر والحرج إمّا أن يكونا بالنسبة إلى شخص واحد ، وإمّا أن يكونا بالنسبة إلى شخصين . فإن كانا بالنسبة إلى شخص واحد فلا إشكال في تقديم الأقلّ منهما ؛ لأنّ ذلك مقتضى كون المقام من باب التزاحم ، فإنّ المرفوع جنس الضرر والحرج ، فملاك الرفع في الأكثر أقوى منه في الأقلّ . وإن كان الأمران بالنسبة إلى شخصين ، فإن كان الضرر والحرج على أحدهما أقلّ قدرا منه على الآخر إمّا من جهة تفاوت الشخصين في الحال ، وإمّا من جهة تفاوت الأمرين في المقدار ، وإمّا من جهتهما معا ، كما إذا جرى الماء وكان قدّامه دور قوم ومزرعة آخرين ، وكان دفعه عن كلّ منهما إرسالا له في الآخر ، فإنّ ضرر خراب الدور على الجماعة الأولى أعظم بمراتب من ضرر غرق المزرعة على الجماعة الثانية . فحينئذ ترجيح جانب الأقلّ مبنيّ على كون رفع الضرر والحرج دائرا مدار المنّة النوعيّة لا الشخصيّة ، فإنّه لو كان دائرا مدار المنّة الشخصيّة فإيراد الضرر والحرج على كلّ من الشخصين خلاف المنّة الشخصيّة بالنسبة إليه وإن كان سببا لدفع الضرر الكثير في غاية الكثرة عن غيره . وأمّا إن كان دائرا مدار المنّة النوعيّة فدفع الضرر والحرج الكثيرين بإيراد القليل منهما ولو كان على شخص آخر موافق للمنّة النوعيّة ، فإنّ الشخص الآخر أيضا يندفع عنه الضرر والحرج الكثيران بإيراد القليل منهما على غيره عند ابتلائه بواقعة أخرى ، وعدم الابتلاء في خصوص مقام إنّما ينافي المنّة الشخصيّة لا النوعيّة . ولا يخفى أنّ الظاهر ورود القاعدتين في مقام المنّة النوعيّة لا الشخصيّة ؛ لأنّ ذلك مقتضى كون العباد بتمامهم ملحوظين في نظر الشارع بنسبة واحدة هو جامع