الشيخ محمد علي الأراكي

256

أصول الفقه

ومن هنا يعرف الفرق بين هذا الوجه وبين ما اختاره بعض الأساتيذ في وجه تقديم قاعدتي لا ضرر ولا حرج على سائر الأدلّة ، وحاصل ما اختاره قدّس سرّه أنّ سائر الأدلّة متعرّض لحكم الأفعال بعناوينها الأوّليّة ، والقاعدتين لحكمها بعنوانها الثانوي ، يعني أنّ سائر الأدلّة أحكام اقتضائيّة حيثيتيّة ، ومفادها أنّ ذوات الأفعال من حيث هي مع قطع النظر عن طروّ حالتي الضرر والحرج مقتضية لحكم كذا ، فلا ينافي أن يكون حكمها باعتبار طروّ هاتين الحالتين شيئا آخر ، كما هو مفاد القاعدتين . وبالجملة ، فمفاد تلك الأدلّة اقتضائي ، ومفاد القاعدتين حكم فعليّ ، ولا تعارض بين الحكم الاقتضائي الغير الناظر إلى الطواري وبين الفعلي الناظر إليها أصلا ، ألا ترى أنّه لا تعارض بين دليل حليّة لحم الغنم ودليل حرمته إذا كان مغصوبا ، وكذلك بين دليل استحباب صلاة الليل مثلا ودليل وجوبها إذا صارت متعلّقة للنذر وشبهه ، وكذا بين دليل استحباب الإبكاء على الحسين صلوات اللّه عليه ، وبين دليل حرمته إذا كان مشتملا على الغناء أو الكذب . وجه الفرق بين هذا وبين ما ذكرنا أنّ ما ذكرنا غير مبنيّ على عدم الإطلاق لأدلّة الأحكام بالنسبة إلى موارد الضرر والحرج ، بل يتمّ مع هذا الإطلاق أيضا كما هو واضح ، وعلى ما ذكره قدّس سرّه لو لم يكن دليل نفي الضرر والحرج أيضا لم يمكن التمسّك في موارد ثبوتهما بتلك الأدلّة ؛ لعدم الإطلاق لها ، بل كان المرجع هو الأصول . ثمّ قد تحصّل من مجموع ما ذكرنا قاعدة كلّية وهي أنّ كلّ دليلين كان لأحدهما لسان الشارحيّة بالنسبة إلى الآخر ، أو كان أحدهما متكفّلا لإرادة المتكلّم أو عدمها ، والآخر لإثبات حكم ، أو كان أحدهما حكما حيثيتيّا والآخر فعليّا فالترجيح للأوّل منهما في الصور الثلاث من دون معارضته بالثاني ، وإن كان النسبة بينهما عموما من وجه . [ الفرق بين التعارض والتزاحم ] هذا كلّه هو الكلام في بيان نسبة القاعدتين مع غيرهما من القواعد ، وأمّا الكلام