الشيخ محمد علي الأراكي

22

أصول الفقه

يفدنا إلّا الاحتمال بالنسبة إلى الأمر الجدّي الذي هو المناط في حكم العقل ، وقد كان موجودا قبل هذا الأمر أيضا ولم يوجب التنجيز . وإن قلت : إنّه بعمومه وإطلاقه ظاهر في الجديّة ، وحيث إنّه يتوقّف على وجود الواقع ، والتمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة في المخصّصات اللبيّة جائز ، نستكشف وجود الواقع في كلّ مورد مورد قام عليه الأمر الطريقي . قلت : هذا خلاف المفروض في مقامنا أعني إيجاب الاحتياط ، فإنّه ربّما يكون نفس الآمر - في غير الشارع - أيضا جاهلا بثبوت التكليف الواقعي . وإن كان مرجعه إلى أمر مستقلّ متعلّق بإتيان تمام الأطراف فهذا أمر نفسي لوحظ فيه المصلحة في نفس الأمر دون متعلّقه على ما هو التحقيق من إمكان ذلك ، فيلزمه استحقاق العقوبة على مخالفة نفسه حتّى عند عدم الإصابة ، وأين هذا من تنجيز الواقع والعقوبة على مخالفته على تقدير إصابته وعدم العقوبة أصلا على تقدير العدم . ويمكن أن يقال : بين الأوامر المتعلّقة بالطرق والمتعلّق بعنوان الاحتياط فرق ، فحال الآمر في القسم الأوّل حال العامل ، فكما أنّ العامل حين عمله بخبر الثقة مثلا لا يرى جانب عدم إصابته وعدم وثاقته ولو كان هو بحسب معتقده مصيبا في نوع الموارد مع التخلّف في البعض ، لكنّه بحسب البناء القلبي والتجزّم حين العمل يلغي جانب الكذب ويأخذ بالصدق ويعمل في هذا النظر ، كذلك الآمر أيضا لا يرى في حال أمره باتّباع خبر الثقة مثلا إلّا جانب مصادفته ، ويدفع عن ذهنه احتمال الخلاف . ففي هذا النظر إذا أمر ليس لأمره إطلاق شامل لصورة المخالفة ؛ لأنّه لم ير إلّا الموافقة ، فالعبد إن أحرز علما أنّ الطريق على خلاف الواقع فلا عقوبة عليه لفرض عدم إطلاق الأمر حال المخالفة ، وإنّ شكّ في أنّه مصادف أو مخالف فهذا الأمر صالح لتحريكه ، بمعنى أنّه لو لم يتحرّك وكان في الواقع مصادفا كان للمولى حقّ أن يؤاخذه ويقول له : قد شخّصت مصادفته بنفسي ولم أجعله في عهدتك ، بل