الشيخ محمد علي الأراكي
180
أصول الفقه
ففي الواجبات التخييرية حيث يشترك أمور متباينة في تحصيل غرض واحد ولهذا يطلب واحد منها على التخيير ، وإلّا فلو حصل من كلّ غرض مطلوب ذاتا لطلب جميعها ، وإمّا ترتّب فائدة على كلّ غير ما يترتّب على الآخر ، غاية الأمر مع إدراك واحدة من تلك الفوائد ارتفع الحاجة عن البقيّة ، فالظاهر أنّه غير معقول ؛ إذ لا يعقل دوران الحاجة بين أغراض متباينة ذاتا مع عدم جامع بين تلك المتباينات ، وفي الحقيقة يكون الغرض هذا الجامع المتحصّل بتلك المتباينات . والحاصل : فلا بدّ من وجود جامع بين خصال الواجب التخييري حتّى يكون الفائدة الواحدة مستندة إلى هذا الجامع تحفّظا عن مخالفة القاعدة المذكورة ، ولا ينافي ذلك عدم إدراكنا للجامع وعدم تصوّرنا حقيقته ؛ إذ لا ينافي ذلك وجوده واقعا ، وحينئذ ففي كلّ موضع دار الأمر بين التخيير والتعيين فقد دار الأمر بين وجوب الجامع بين الشيئين مع عدم لحاظ خصوصيّة واحد منهما ، وبين وجوب واحد مخصوص منهما ، فيكون من باب دوران الأمر بين المطلق والمقيّد ، فالأصل فيه البراءة عند القائل بالبراءة هناك ، والاحتياط عند المحتاط هناك . والحقّ خلاف ذلك ، وإنّا وإن قلنا في البحث السابق بالبراءة لا بدّ أن نقول هنا بالاحتياط وإن سلّمنا البيان المذكور أعني رجوع المقام إلى المقام الأوّل تسلّما للقاعدة المعقوليّة . ووجه ذلك أنّ هنا توجّه الطلب نحو الخاص معلوم ولا يرتفع عقلا الاشتغال به بإتيان الخاص الآخر المحتمل البدليّة ، وتوجّهه نحو الجامع مشكوك ، وأمّا هناك فتوجّهه نحو الجامع معلوم ونحو الخاص مشكوك كما لو سمعنا قوله : أعتق رقبة وشككنا أنّه عقّبه بقوله : « مؤمنة » أولا ، فحينئذ الذي قام الحجّة عليه ويلزم بإتيانه العبد هو الجامع ، والخصوصيّة لا ملزم لها ، وهذا بخلاف ما لو سمعنا قوله : أعتق رقبة مؤمنة وشككنا في تعقّبه بقوله : « أو كافرة » أو لا ، فإنّ الاشتغال بما قام عليه الحجّة وهو الخاص غير مرتفع إلّا بإتيانه ، فعلم أنّ الأصل في الباب هو الاشتغال وإن سلّم رجوعه إلى الباب المتقدّم .