الشيخ محمد علي الأراكي
171
أصول الفقه
فلا يبقى على العبد إلّا التخلّص من تبعة الأمر ، وقد عرفت أنّه في الأقلّ معلوم وفي الزائد مشكوك . وأنت خبير بما في كلا الجوابين . أمّا الأوّل : فلوضوح أنّ الإشكال غير مبتن على القول بالمصلحة الذي هو مختصّ بالعدليّة ، بل يعمّ على جميع الأقوال ، وذلك لأنّ الأمر لا محالة يكون ناشئا عن علّة وغرض ، ضرورة أنّ العاقل لا يأمر بدون ملاحظة غرض أصلا ، غاية الأمر وقع النزاع في تعيين ذاك الغرض في الباري تعالى ، فالعدليّة يقولون بأنّه مطابق للصلاح والحكمة ، والأشعري يقول : بل هو غرض على وفق ميله تعالى ومشيّته ، ولا يقول بأنّ أوامره خالية عن الغرض رأسا ، فإنّه قائل بحكم العقل ، غاية الأمر ينكر التحسين والتقبيح . والحاصل : معلّلية أوامر اللّه بل كلّ عاقل بأغراض في الجملة ممّا لا كلام فيه ولا خلاف ، فيجرى الكلام المتقدّم حرفا بحرف في الغرض من وجوب تحصيله ، لأنّه علّة للأمر ، والعلم بإسقاط الأمر واجب ، فيجب ما هو مقدّمته من العلم بتحصيل الغرض . وأمّا الثاني فلأنّ عدم التّمكن من الجزم في النيّة بالدرجة العليا لا يوجب التنزّل من الدرجة الدنيا مع إمكانها وهو الإتيان بتمام ما احتمل دخله في المطلوب ، فإنّه يحصل معه الجزم بمرتبة نازلة لا يحصل ذلك مع الاقتصار على الاقلّ . والتحقيق في الجواب عن أصل الإشكال يبتني على تقديم مقدّمة وهي أنّ هنا شيئين يصلحان لموضوعيّة حكم العقل ، أحدهما الأمر والآخر الغرض ، فهنا بحسب مقام الثبوت احتمالات ثلاثة : الأوّل : أن يكون الأمر موضوعا ، ولو انفكّ عن الغرض دون العكس فالعقل يلزم أبدا نحو إطاعة الأمر ولا ينظر إلى مطابقته مع الغرض وعدمها ، ولا حكم له أيضا مع الغرض المجرّد عن الأمر . الثاني : أن يكون الأمر بالعكس ، فيكون الغرض موضوعا ولو انفكّ عن