الشيخ محمد علي الأراكي
138
أصول الفقه
والحاصل أنّ العقل لا يجوز له الإهمال والاستراحة بمجرّد هذا الشكّ ؛ فإنّ التنجيز ووجوب الإطاعة ليس إلّا من أحكام العقل ، بل ربّما يستكشف القدرة من نفس أمر المولى ، وهو في ما إذا كان حكيما عالما بالغيب ووجّه الخطاب نحو الشاكّ في القدرة ؛ فإنّه يعلم بهذا الخطاب كونه قادرا وإلّا لما توجّه نحوه الخطاب . وإذن فنقول : من قبيل هذه الشروط أيضا قيد كون متعلّق التكليف والنهي من موارد ابتلاء المكلّف ، فإنّه مثل القدرة ممّا يستقلّ العقل بأنّ الخطاب بدونه قبيح مع عدم تعرّض له في شيء من الخطابات اللفظيّة ، فيكون إطلاق المادّة في تلك الخطابات محفوظا ، ومعناه أنّ المفسدة المقتضية للنهي في ذات الفعل موجودة في جميع الأحوال حتى بالنسبة إلى حالة خروجه عن محلّ ابتلاء المكلّف . ولازم ذلك أنّه لو شكّ المكلّف في حسن الخطاب في حقّه من هذه الجهة لعدم علمه بأنّ متعلّقه صار خارجا عن محلّ ابتلائه أو لا ؟ لا يكون هذا لشكّ محلّا للبراءة ، فلو علم إجمالا بخمريّة الإناء الموجود عنده أو الإناء الآخر الموجود عند سلطان الإفرنج فهو يعلم بوجود مطلوب تامّ لمولاه إمّا في هذا أو في ذاك ، ولكن يشكّ في أنّ المولى هل يصحّ له البعث نحو هذا المطلوب أو لا ؟ فإذا بنينا كما هو المفروض على تنجيز العلم الإجمالي كالتفصيلى وتبيّن في مثال القدرة عدم قدح الشكّ في حسن الخطاب في حكم العقل بالتنجيز والاشتغال ، يلزم الحكم بوجوب الاحتياط هنا أيضا بالنسبة إلى الإناء الموجود عنده ، فيلزم عدم الفرق بين الخروج الطاري والسابق والمقارن من هذه الجهة ، وهذا بخلاف عدم الاضطرار ، فإنّه من القيود المذكورة في اللفظ كما نبّهنا عليه ، فالشكّ فيه شكّ في أصل المطلوبيّة فيكون مجرى للبراءة . هذا كلّه في الشبهة المصداقيّة وهي ما إذا علم بخروج أحدهما عن محلّ الابتلاء وشكّ في أنّ الخمر أيّهما .