الشيخ محمد علي الأراكي

134

أصول الفقه

والحقّ كما مرّ سابقا عدم الفرق بين المذهبين في وجوب الاحتياط في الباقي عند الاضطرار إلى غير المعيّن ، ووجهه أن المفروض أنّ الغرض الواقعي لم يتبدّل ولم يتغيّر عمّا هو عليه بواسطة هذا الاضطرار ، ولهذا لو علم تفصيلا كان اللازم رعاية جانبه ، فنحن وإن قلنا : إنّ فعليّة التكليف تصير مقصورة على تقدير مشكوك التحقّق وهو كون المختار غير الخمر ، لكن نقول : الغرض الفعلي محرز والعقل عند ذلك لا يرخّص في تضييع جانبه بلا جهة . وبعبارة أخرى : يتصوّر هنا ثلاثة وجوه ، الأوّل : أن يرفع اليد عن الغرض الموجود الواقعي فيرخّص في كلا الطرفين ، والثاني : أن يغضّ العين عن الغرض الحادث ، فيوجب الاحتياط على العبد وإن أوجب هلاكته ، والثالث : أن يرفق بعبده ويحفظ غرضه بقدر الإمكان أيضا فيرخّصه في واحد وأوجب عليه الاحتياط في الآخر ، ومن المعلوم أنّ العقل يحكم بتعيين الأخير . وإن شئت فقايس ذلك بحال نفسك لو كان لك عبد ووقع ابن لك في البحر في ما بين مائة نفر لم يعرف بينهم بشخصه ، فلا محالة يتعلّق غرضك بإنقاذ العبد ابنك ، ولكن حيث يتوقّف على إنقاذ جميع المائة وهذا يوجب انكسار ظهر العبد وسقوطه عن الفائدة فهل ترى نفسك يجوز عن إنقاذ الابن بمحض إيجاب ذلك لهذه الحالة في العبد ، أو يجوز عن العبد ويحكم بإنقاذ الجميع ، أو يراعي الجانبين ؟ فيلزم عليه السعي بمقدار لا يبلغ انكسار فقرات ظهره . وبالجملة ، ففعليّة الغرض في هذا الباب يكفينا وإن لم يكن التكليف فعليّا . فإن قلت : هذا التقريب بعينه جار في الاضطرار إلى المعيّن قبل حدوث العلم ، وقد قلت فيه بالبراءة ، فإنّه يعلم بغرض من المولى ، غاية الأمر احتمال مزاحمته بغرض آخر . قلت : وإن كان يعلم أصل الغرض ، لكن فعليّته وإطلاقه غير معلومة ؛ إذ لعلّه كان في الطرف المضطرّ إليه ، وأمّا في الاضطرار إلى غير المعيّن فإنّه قبل الاختيار مطلق وفعليّ ، ولهذا لو علم تفصيلا كان لازم الرعاية ، نعم بعد الاختيار يصير الحال كتلك الصورة .